
“شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة”
الأستاذ المساعد الدكتور حميد أبولول جبجاب جامعة ميسان / كلية التربية الأساسية
صدر حديثاً عن مؤسسة دار الصادق الثقافية كتاب بعنوان: (الإعلام الجديد ووسائل التواصل: شبابيك اعترافات رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة) للبروفيسور الدكتور محمد كريم الساعدي، والصادر برقم معياري دولي: (ISBN: 978-9922-757-95-7).

وقبل الولوج في مضامين هذا المنجز العلمي، تقتضي الضرورة توضيح المفهوم الذي يرتكز عليه الساعدي، وهو مفهوم “الكولونيالية” الذي عرّفه في أحد كتبه السابقة بعنوان (الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية): بوصفها الشكل المحدد للاستغلال الثقافي الذي تبلور بالتزامن مع التوسع الأوروبي خلال القرون الأربعة الماضية. وعلى الرغم من أن حضارات عديدة سبقت أوروبا امتلكت مستعمرات خارج حدودها، فإن تلك الحضارات كانت تنظر إلى علاقتها بمستعمراتها بوصفها علاقة بين قوة مركزية كبرى وبين هوامش ثقافية محلية توصف عادة بالهامشية أو عدم التحضر.
لا شك أن التطورات التي أتاحتها تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، ومن ضمنها الإعلام الجديد ووسائل التواصل، قد أسهمت في إعادة تشكيل أنماط النظر والفهم والتحليل تجاه القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، والتعليمية، والدينية؛ بما يعكس القدرة التحويلية العميقة لوسائل الإعلام الجديدة. وفي هذا السياق، يشير الدكتور محمد كريم الساعدي في كتابه إلى أنَّ تحول الصراع من الخارج إلى الداخل هو، في الأصل، لعبة غربية كولونيالية يقوم بها الغرب وعلى رأسهم أمريكا، وهذه العملية هي مكملة لما حدث في القرن الماضي. فقد كان القرن الماضي قائماً على التقسيم وزرع بذور الخلافات على الحدود بين الدول، وهي السياسة البريطانية القديمة التي اعتمدت مبدأ (فرق تسد).
كما أشار الكتاب إلى أن وسائل الإعلام الجديدة عامة، ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة، تمارس نفوذاً قوياً في حياة الإنسان اليومية وتصوراته للواقع المعاش. ويشير المؤلف أيضاً إلى أن تصوير وسائل الإعلام للواقع يمكن التلاعب به لخدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية معينة؛ مما يكشف عن وجهة نظر عاقلة بشأن قوة وسائل الإعلام وتأثيرها. وينظر المؤلف في كتابه بوضوح رؤية إلى تأثيرات وسائل الإعلام الجديدة على أنها “قوى ناعمة” أعادت تشكيل الاتصال والمجتمع والسياسة، ورغم الاعتراف بجوانبها التمكينية، فإنه يؤكد أيضاً الحاجة إلى تحليل ناقد لتأثيرها وقدرتها على التلاعب بالمواطنة والهوية.
لذلك يتصور الدكتور محمد الساعدي بأن المنفذ الأول للكولونيالية الجديدة هو الولايات المتحدة الأمريكية، مما جعلها الفاعل الأول في منطقة “الشرق الأوسط الجديد”، حيث يقول: “بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام (2001) وظهور الأسباب المباشرة المتمثلة في فكرة الإرهاب وربطه بدول معينة، سبق ذلك عملية وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى سواحل الخليج العربي من خلال التدخل العراقي في الكويت والسيطرة المباشرة على مقدرات الشعوب في هذه المنطقة. هذا التدخل جعل من أمريكا الفاعل الأول في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، من خلال فرض سطوتها بشكل مباشر على المنطقة، مما أوجد مفهوماً مكملاً للكولونيالية القديمة، المتمثلة في الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا)، وتوزيعهما لمنطقة الشرق الأوسط حسب اتفاقية سايكس بيكو”.
ويبين الكتاب موضوعاً في غاية الأهمية، وهو عملية تطبيق الولايات المتحدة الأمريكية لمشاريعها التوسعية من خلال تطبيقين رئيسين هما:
- الأول: تطبيق خططها الجديدة دون أن تكون هي المبادرة بهذا التطبيق بشكل مباشر (كما حدث في العراق وأفغانستان)؛ بمعنى آخر: جعل الدول المستهدفة نفسها تقدم المبررات للتدخل والتحشيد الأممي، عبر مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي.
- الثاني: التحول في الصراع من الخارج إلى الداخل، بهدف شرعنة خططها في المنطقة، وجعل كل كيان قائم على صفة فئوية أو جهوية أو عرقية يأخذ دوره في هذا الصراع، والقصد هو منح هذه الكيانات الدينية والعرقية مبررات لإظهار وجودها.
من خلال ذلك، يمثل المبدأ الأول سعي القوى الدولية إلى تنفيذ استراتيجياتها دون تحمل كلفة المبادرة المباشرة، وهو أسلوب شاع في العقود الأخيرة. ففي النموذجين العراقي والأفغاني، لم يعد التدخل يُقدَّم بوصفه قراراً أحادياً، بل بوصفه استجابة مشروعة لأزمات داخلية يُسمح لها بالتضخم حتى تبدو كأنها تنتج مطالب التدخل لا رافضة له. وبذلك تدفع الولايات المتحدة، عبر ضغوط سياسية أو اقتصادية، إلى إنتاج المبررات الذاتية للتدخل التي يجري تدويلها لتظهر بمظهر الاستجابة الإنسانية أو الإجراء الوقائي.
أما المبدأ الثاني فيرتبط بتحول أعمق يتمثل في نقل مركز المواجهة إلى قلب البنى الاجتماعية. فبدلاً من صراع بين دول، يُعاد تدويره ليصبح صراعاً داخلياً متشظياً تتصارع فيه المكونات الطائفية والإثنية على الشرعية. ويهدف هذا إلى إضفاء الشرعية على الخطط الإقليمية للقوى الكبرى بجعلها تبدو كأنها تدير تنوعاً متفجراً لا شؤون دولة موحدة.
ويذكر الساعدي مثلاً حياً حول دور الولايات المتحدة في ذلك إذ يقول: “نجحت أمريكا في تصوير الصراعات الداخلية التي اندلعت لاحقاً في العراق وكأنها ليست مسؤولة عنها بشكل مباشر، بينما في الحقيقة هي التي زرعت بذور التفرقة عبر هذا المجلس (مجلس الحكم). هذه التفرقة مع مرور الوقت تضخمت مثل كرة الثلج حتى أصبحت عائقاً كبيراً أمام نهوض العراق. إضافة إلى ذلك، استغلت هذه الطريقة كذريعة لنهب ثروات العراق تحت شعار (توزيع الثروات)، وهو غطاء لنهبها عبر رجالاتها المتنفذين الذين ساهموا في إدارة العملية الانتقالية”.
ويلقي الدكتور الساعدي رؤية نقدية حذرة إزاء دور وسائل الإعلام الجديدة في سياق العصر الرقمي وعالم ما بعد الحداثة. وهو يقر بقدرتها الاستثنائية في نقل المعلومات، لكنه يشير إلى أن هذه القدرة قد تفتح المجال لانحرافات معرفية تؤثر في الرأي العام. فإن كانت هذه الوسائل قد وفرت فضاءات للتعبير، فإنها أصبحت قناة للتلاعب بالمعلومات ونشر التضليل؛ مما يستدعي تعاملاً بوعي نقدي من الجمهور والباحثين.
وتتجلى أهمية هذه الشبكات في كونها أحدثت تحولاً جذرياً في أنماط التواصل حتى باتت أشبه بـ(فضاء عالمي مفتوح). ويكفي تصفح منصات مثل (إكس/ تويتر سابقاً) لدرك حجم التغير، إذ ينقسم العالم إلى جماعات متفاعلة لكل منها خطابها. وأصبحت هذه الوسائل مصدراً إخبارياً أساسياً تتكئ عليه الصحافة التقليدية، حيث يصل الخبر عبرها قبل وكالات الأنباء، مشوباً أحياناً بالخداع تبعاً لسياقات تداوله.
وتؤكد هذه التحولات مقولة أن الإعلام يمثل (السلطة الرابعة)، لقدرته على توجيه الثقافة وصياغة الوعي. وتتسم مقاربة الكاتب بأنها نقدية بناءة، لا تسعى إلى الهدم، وإنما إلى استثمار الإمكانات التقنية مع الوعي بمخاطرها. ويناقش قضايا مركزية مثل تأثير الإعلام في تشكيل الوعي، والإشكالات البنيوية للبيئة الرقمية، وعلاقة الإعلام بالمواطنة، متبنياً منظوراً سياسياً واجتماعياً بعيداً عن القراءة التقنية البحتة.
وبناءً على ذلك، يقدم تحليل الدكتور محمد رؤية عميقة ومتوازنة مستمدة من خبرة مهنية وممارسة واقعية. وتبرز أهمية رؤيته في لفت الانتباه لضرورة التوازن بين مواكبة التطور والحفاظ على القيم. كما يوظف المنهج التاريخي لتحليل أحداث الشرق الأوسط، مبرزاً الدور المحوري للإعلام الجديد في إعادة صياغة المشهد السياسي، خصوصاً خلال مرحلة “الربيع العربي”.
ويهدف كتاب (الإعلام الجديد ووسائل التواصل: شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة) في فصوله الثمانية إلى طرح تساؤلات حول التحول في الصراع من الخارج إلى الداخل، وكيفية بلورة الأفكار الأمريكية في التغيرات الجيوسياسية.
ويبين الدكتور الساعدي في الختام أن الكولونيالية الجديدة استفادت من هذه الوسائل في مجالات عدة:
- المجال السياسي: للترويج للنظام الغربي كنموذج أوحد وتحقيق القيادة العالمية.
- المجال الاقتصادي: الاستفادة من المجال الرقمي في قضايا اقتصادية جوهرية.
- المجال الاجتماعي: تغيير النظم الاجتماعية والمنظومات الأخلاقية الثابتة في المجتمعات التقليدية ببث قيم تتلاءم مع السياسات الغربية.
- المجال العلمي: استخدام التقنيات العلمية لضمان التفوق العالمي على المنافسين.
- المجال التعليمي: تغيير أنظمة التعليم لربطها بالمعايير الغربية تحت مسمى النظام التعليمي العالمي.
- المجال الديني: تجاوز المنظومات الدينية المحلية والترويج لفكرة “دين عالمي موحد” يُفرض بالقوة الناعمة ليتماشى مع المنظومة الكولونيالية.
ختاماً، لا يتجه الدكتور الساعدي نحو رفض الإعلام الجديد، بل يطرح رؤية توفيقية تستوعب الإمكانات الإيجابية مع التحذير من الإشكالات البنيوية؛ لضمان توظيف الإعلام بطريقة عقلانية تدعم الحقيقة وتعزز الحياة المدنية.
أدعو الباحثين والمهتمين للاطلاع على هذا المنجز العلمي المهم الذي يتناول الهجمة الأمريكية–الصهيونية على الثقافة العربية الإسلامية بتركيز عالٍ على دور الإعلام الرقمي.