
أ.د. محمد كريم الساعدي
ما بعد الكولونيالية هي: حركة ثقافية، اجتماعية، سياسية ذات طابع (تاريخي- تحليلي) تقاوم وتشتبك مع كل الخطابات الثقافية الكولونيالية وبنيات القوة لديها، وتسعى إلى إبطال ما بلورته الثقافة الغربية في مختلف المجالات من نتاج يعبر عن توجهات كولونيالية إزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب الجغرافي والثقافي والسياسي المسيطر على السلطة السياسية والاجتماعية ضمن النظام العالمي الجديد.
أهم من نظّر للخطاب ما بعد الكولونيالي :
- فرانز فانون: إذ تركزت خطاباته على مناهضة الخطاب الكولونيالي، وهو: الطريقة المحددة للاستغلال الثقافي الذي تنامى بالتزامن مع التوسع الأوروبي خلال القرون الأربعة الفائتة. وعلى الرغم من أن العديد من الحضارات التي ظهرت من قبل كان لها مستعمرات، وعلى الرغم من أن هذه الحضارات كانت تنظر إلى علاقاتها بتلك المستعمرات بوصفها علاقة قوة عظمى مركزية بالحدود الخارجية لثقافات محلية هامشية وغير متمدنة، فقد ركز فرانز فانون على مفهومين هما: مفهوم (العنصرية) وعلاقته بالثقافة السائدة التي أراد المستعمر أن ينشرها بين أبناء الشعوب المستعمرة. والمفهوم الآخر هو (الاستلاب) وما يسببه من عقدة نقص لدى أبناء القارة السوداء وتأثيره على واقع الشعوب في ذلك الجزء من العالم.
- إدوارد سعيد: مع ظهور كتاب (الاستشراق) الذي عُدَّ الأساس في نقد وتفكيك الخطابين الكولونياليين؛ القديم المتمثل بـ (بريطانيا وفرنسا) والجديد (الأمريكي)، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وتوسعها الإمبريالي في مناطق مختلفة من (العالم الثالث)، وخصوصاً (الشرق الأوسط). وظف سعيد مفاهيم عديدة في هذا السياق ومنها:
- مفاهيم (الخطاب والجسد والتمثيل والجغرافيا التخيلية والشرقنة) المستمدة من فوكو.
- (الهيمنة) المستمدة من غرامشي.
- غياتري جاكرافورتي سبيفاك: التي ركزت في دراساتها على عدد من المفاهيم ومنها (المهمش، والتابع، والآخر) إذ أسهمت بشكل فعال في تأسيس دراسات (التابع)، والتي استمدت مفاهيمها من جاك دريدا.
- هومي بابا: له دور مهم في هذه الدراسات، إذ عُدَّ من المؤثرين في هذا الخطاب لكونه سخر للمجال النقدي ما بعد الكولونيالي عدداً من المفاهيم ومنها (التنكر والتمويه، والبعد الثالث، والهوية المحاكاتية، والهجين) التي أسهمت في تفكيك الخطاب الاستعماري، وهذه المفاهيم استقاها بعد بحث مستمر في كتابات (سعيد)، وكذلك في مجالات علم النفس من خلال دراسات (فانون وجاك لاكان) النفسية.
ما هي جماليات التفكيك في الخطاب الثقافي الاستعماري / الكولونيالي؟
- رصد الخطاب الكولونيالي بوصفه ظاهرة ثقافية لها تأثيرها في ثقافات العالم الثالث من خلال ما يأتي:
- الذات الغربية المؤسسة للخطاب الكولونيالي.
- المواطن الأصلاني وصفاته السلبية في الخطاب الثقافي الكولونيالي.
- الصورة النفسية السلبية للمواطن الأصلاني وتوظيف التأثيرات الكولونيالية فيها.
- تهديم الصورة الاجتماعية والثقافية الأصلية، وإبعاد المواطن الأصلاني عن الجذور.
- النخبة الثقافية الكولونيالية و(نفي الواقع الأصلي).
- وضع آليات التفكيك في الخطاب ما بعد الكولونيالي من خلال ما يأتي:
- تفكيك خطاب السلطة الكولونيالية.
- تفكيك الصورة السلبية للمواطن الأصلاني.
ما هي ملامح الخطاب الكولونيالي في المسرح العالمي؟
يعد الخطاب الشكسبيري من أبرز الخطابات الكولونيالية على المستوى المسرحي، إذ وظفت القوة الاستعمارية مسرحيات شكسبير للوصول إلى الهدف الذي تتجلى فيه قوة وتفوق الثقافة الغربية على ثقافة الآخر؛ وذلك لأن تداول مسرحيات شكسبير داخل الدائرتين التعليمية والثقافية بمثابة قوة لها هيمنتها وفعاليتها عبر تاريخ الإمبراطورية البريطانية، وهذه القوة لا تزال تفعل فعلها في كافة المستعمرات الإنجليزية السابقة.
من أهم نصوص شكسبير الكولونيالية:
- مسرحية (عطيل): تبرز المؤشرات الكولونيالية في وضع شخصية (عطيل) في عدد من القراءات المختلفة، وتقود هذا النص إلى ثلاثة أنواع من الصراع لإثبات تفوق الذات الغربية على الآخر المغاير ثقافياً، وهذه الصراعات هي:
- عطيل وصراع الشمال والجنوب: وهنا يقع الصراع بين الشمال المتمثل بأوروبا وبشخصية (ياغو)، والجنوب المتمثل بـ(العربي الأفريقي) بشخصية (عطيل) الذي هو دخيل على الثقافة الأوروبية.
- عطيل وصراع الألوان: وهنا يقع الصراع بين الأبيض الغربي (ياغو) والأسود (عطيل)، وهو صراع يشير إلى العنصرية والتمايز الثقافي ضد (عطيل) وفق صراع الألوان.
- عطيل وصراع الأديان: وهنا يقع الصراع بين (ياغو) ذي العقيدة المسيحية، و(عطيل) ذي العقيدة (الإسلامية).
- مسرحية (العاصفة): التي يرسم من خلالها شكسبير الصورة الاستعمارية والخطاب الكولونيالي المتفوق على الآخر الأصلاني، إذ يركز فيها على مفاهيم كولونيالية تعتمد على مبدأ الدافعية في إيجاد مساحات أخرى تتحول إلى ملكية استعمارية تنزع ثقافتها الأصلية لتقدم بثقافة أخرى إلى العالم الجديد. إن مسرحية (العاصفة) تحتوي على عدد من المفاهيم ذات الطابع الكولونيالي والمتمثلة في السيادة وتبعية الآخر الثقافية، وممارسة السلطة المتمثلة بشخصية (بروسبيرو) وإقصاء الآخر المتمثل بشخصية (كاليبان).
ما هي ملامح الخطاب ما بعد الكولونيالي في المسرح العالمي والعربي والعراقي؟
1- في المسرح العالمي:
- مثال مسرحي عالمي أول: في مجال النصوص المسرحية المناهضة للخطاب الكولونيالي في الغرب، قدم الفيلسوف الوجودي (جان بول سارتر) نقده إلى الخطاب الأمريكي، حيث أنتج خطاباً ثقافياً ما بعد كولونيالي كان هدفه فضح التمييز العنصري في معاملة (السود)، والتمييز العنصري هو امتداد للخطاب التمييزي ضد الآخر في (أفريقيا) من أجل استلابها وتغييبها ثقافياً. إذ قدم سارتر مسرحية (الشيخ والغانية)، التي تدور أحداثها حول “زنجي” اتُهم بقتل واغتصاب الفتاة (ليزي) التي تتجاهر بطابع لا أخلاقي. حيث يتعرض الزنجي إلى التعذيب والقتل، ليس لأنه قام بجريمة، بل لأنه (أسود)، والنظرة ضد السود كانت عنصرية في أمريكا. وفي نهاية المسرحية تعود لممارسة البغاء، ويعطي سارتر إشارات عن الموقف الرسمي الأمريكي في مناصرة البيض من خلال مشاركة عضو مجلس الشيوخ في عملية القبض على الزنجي.
- مثال مسرحي عالمي ثانٍ: الكاتب والمخرج الألماني والسويدي الجنسية (بيتر فايس)، فقد كانت مساهماته واضحة في إنتاج خطاب ثقافي ما بعد كولونيالي؛ ففي مسرحية (أنشودة أنغولا) كان صريحاً مباشراً في عرض حقيقة الاستعمار وهيمنته على أفريقيا وتحويلها إلى سجن كبير لأبنائها بحجة نشر رسالة الرب في الأرض. كانت المسرحية انتقاداً واضحاً للخطاب الغربي الذي ادعى أصحابه نقل الحضارة لأفريقيا والشرق، حيث يسرد فايس إحصائيات عن أضرار الاستعمار في البنيات الاقتصادية والتعليمية والثقافية، فيذكر مثلاً أنه بعد (500) سنة من رسالة التمدين لم يتعلم سوى شخص واحد من كل (100) أفريقي، وغيرها من الإحصائيات.
2- في مجال المسرح العربي:
- مثال مسرحي عربي أول: قدم المخرج (فهمي الخولي) عرض مسرحية (لن تسقط القدس) للمؤلف المسرحي (شريف الشوباشي)، حيث تناولت المسرحية حقبة تاريخية من الصراع بين الشرق والغرب وهي الحروب الصليبية وما لها من دلالات معاصرة تنطبق على غزو أمريكا للشرق في حربي (أفغانستان والعراق). اعتمد الخولي في تفكيك الخطاب الثقافي الكولونيالي على فكرة المسرحية التي تفكك موضوع إعادة الشرق للدائرة الغربية، بل وبنفس المواصفات الكولونيالية في وصف الشرق الغرائبي والهمجي ذي الأهداف الشريرة والأفكار الأسطورية الخرافية. عمل الخولي على كشف الأهداف الكولونيالية من خلال استخدامه لقطع الديكور التي تربط بين الواقع والرمز والإيحاء، كالحبال التي تتعامل مع تغير الديكور وكأنها قضبان سجن، وكذلك قلب القبة وتحويلها إلى العكس نحو التقعر، في دلالة على محاولة تحويل الإسلام في القدس من فكر ديني ذي قيم عالية إلى مجرد أفكار بالية مفرغة من أهم نتاجاتها الإنسانية، وإيحاء بأن الشرق هو سجن للعقل البشري بعد إفراغه من حضارته الإنسانية.
- مثال مسرحي عربي ثاني: قدم المخرج (روجيه عساف) عرض مسرحية (الجرس) من تأليف (رفيق علي أحمد)، والتي تتناول قضية الجنوب اللبناني بعد الاحتلال الإسرائيلي. تحكي قصة راعي غنم من الجنوب اللبناني يُقتل ولده على يد المحتلين، فينسحب من الحياة، التي دلل عليها من خلال تجريد (معزته) من جرسها المربوط في رقبتها، وهنا دلالة على توقف الحياة وصوتها. يقدم عساف هذه المسرحية في عرض يرفض من خلاله المسرح الغربي المستورد، ويقدمه في صيغة (الحكواتي)، متخذاً من فكرة الجرس عرضاً لتفكيك الخطاب الصهيوني وادعاءاته في إسكات صوت الآخر بحجة الحضارة، والآخر العربي ساكن الصحراء أو راعي الغنم الذي يعيش في أرض “لا يستحقها”. فإسكات صوت الجرس وقتل الابن واستباحة الأرض هي من مرتكزات الخطاب ضد الآخر التي يفضحها عساف.
3- في مجال المسرح العراقي المعاصر:
- مثال مسرحي عراقي أول: مسرحية (قلب الحدث)
- تأليف وإخراج: مهند هادي.
- إنتاج: دائرة السينما والمسرح 2010. ينطلق خطاب ما بعد الكولونيالية في هذا النص للكشف عن التأثيرات التي خلفها الخطاب الأمريكي (الكولونيالي الجديد) في الساحة العراقية ما بعد 2003. يخوض المؤلف في فكرة “قلب الحدث” التي تعطي دلالتين: الأولى مكان وقوع الحدث، وفيها مستويان؛ مباشر يحاكي القتل الذي يستهدف العراقيين، ومستوى خلفي يمثل نقطة التقاء الصراع بين الخطاب الكولونيالي والفعل المقابل المتمثل في الخطاب الثقافي ما بعد الكولونيالي. أما الدلالة الثانية فهي “قَلب” الحدث (بمعنى إظهار وجهه الآخر)، حيث تعبر الشخصيات عن (الاستلاب الثقافي) و(الاغرابية) وتبعية الثقافة العراقية، كما يرسم المؤلف صورة للجغرافيا الجديدة التي يريدها الكولونيالي الجديد لتفتيت المقابل وتحويله إلى مقاطعات متناحرة، وهو ما تشير إليه الحواجز (الكونكريتية) والصراع القائم بين أبناء البلد الواحد.
- مثال مسرحي عراقي ثانٍ: مسرحية (العربانة)
- تأليف: حامد المالكي.
- إخراج: عماد محمد.
- إنتاج: دائرة السينما والمسرح 2013. ينهض الخطاب في هذا النص على فك ارتباط التمثيل الثقافي مع الماضي الكولونيالي المتجدد. إن فك الارتباط جاء من خلال فكرة الخلاص من الآثار النفسية التي انطبعت على جسد الثقافات العربية، وتمثلت في فكرة (حرق الجسد) المستوحاة من “الربيع العربي” (محمد البوعزيزي) وشخصية “حنون” بطل المسرحية. أراد المؤلف تأكيد أن حرق الجسد كان له ارتدادات للخلاص من إرث الخضوع. إن لقاء البوعزيزي وحنون في العالم الآخر جعل منهما شاهدين على زيف شعارات الحرية والديمقراطية التي تحولت إلى فوضى تهدف لزعزعة الثقافة الأصلانية، حيث كشف المؤلف زيف الوعود بتغيير حياة “حنون” من الفقر وعربة الخضار القديمة إلى حياة الرفاهية.