
أ.د محمد كريم الساعدي
يوجد في مصطلح الكتابة آراء مختلفة لا يمكن أن تكون متطابقة من حيث الفهم وما يراد منها في العملية الإبداعية، كون الكتابة ركناً مهماً في المعرفة الثقافية لدى الشعوب المختلفة من حيث لغاتهم وغاياتهم التي يسيرون إليها. والكتابة هي في حد ذاتها قد تكون وسيلة لغايات مختلفة لدى بني البشر، أو تكون غاية في حد ذاتها من خلال البحث فيها وحسب ما يراد من إيجادها في الحياة على مختلف الجوانب الإنسانية والاجتماعية والنفسية وغيرها.
إنَّ التاريخ الفكري والمعرفي في مجالات عدة حفل بعدد كبير من المفكرين والفلاسفة الذين عملوا على تكوين مفهوم للكتابة وصياغة مصطلحاتها؛ ابتداءً من الكتابات الأولى التي ابتدعها الإنسان في بداية التاريخ، ومروراً بمراحل تقدم الحضارات والأمم، وصولاً إلى التفرعات الكثيرة التي أصبحت تتميز بها العلوم والفنون والآداب، وأهم صور التميز في هذه الاختصاصات المختلفة تأتي الكتابة. فهي أداة مهمة في المعرفة، وأداة مهمة في التواصل، ووسيلة فاعلة في التخاطب، وهي غاية يريد المبدع أن تكون له إطاراً معرفياً وثقافياً يظهر من خلالها إلى العالم؛ فشغلت التاريخ وجعلت منه عِبرة وعَبرة، وجعلت منه منطلقاً في أخذ التجارب الماضية وتقديمها في الحاضر والاستفادة منها في المستقبل. فهي لم تقتصر على حقل دون آخر، وهي لا تنحاز إلى مجال دون آخر، ولا تشتغل على ظاهر الأشياء فقط دون باطنها، ولا على سياق محدد في مجال معرفي، ولم تكن ملتزمة بالمعرفة في مجالها العالي دون ما هو أقل في التداولات ومنها اليومية. وبذلك فالكتابة “لم تعد تقتصر وظيفتها على الإيصال أو التعبير، بل تفرض (ما وراء) لغة هو في آن، التاريخ والجانب الذي نتحيز له في ذلك التاريخ” (رولان بارت: ص27، ص28)، وهي عالم مستقل عن كل ما حولها ولكنها داخلة في كل ما يدور حولها من صيغ وتعابير ومدلولات تشكل المعاني في مختلف المجالات، فالكتابة عالم واسع تنشط فيه المعرفة والثقافة في مختلف أصنافها.
إنَّ الكتابة في وجودها المعرفي تُعد مكاناً جيداً للبحث؛ البحث من أجل معرفة كنهها وماهية وجودها الذي يسهم في تشكيل المعنى للأشياء والموجودات، وفي بناء ما هو مقصود منها. فهي ليست حكراً على أحد، ولا على اختصاص معين، ولا على مفكر قد يكون أبدع فيها، ومن ثم فإنها لم تخضع له بشكل مطلق، ولا حتى بشكل جزئي؛ لذا عمل العديد من المفكرين محاولين التعرف عليها ورسم صورة لها في وعيهم تختلف عن الآخرين، ومن بين من تداول في بحثه عنها وتعامل فيما يريد أن يكوّنه عن طريقها لفهمها، وتقديم تصورات عما يظنه فيها من خصائص وسمات تفردت بها الكتابة.
من بين الباحثين في مجال الكتابة الفرنسي (رولان بارت 1915-1980) الفيلسوف والناقد الأدبي والدلالي والباحث الاجتماعي، ويُعد من المفكرين الذين عملوا على دراسة الكتابة والتبحر في علومها وفنونها، وأنتج عنها من بين مؤلفاته كتاب (درجة الصفر للكتابة) الذي نحاول أن نقدم من خلاله أكثر من مقال عن مصطلح الكتابة لديه وما يعده تصوراً لمفهومها بعد أن بحث في مجالها الصفري، وإرجاعه إلى تصفير مفهومها وما هو اختلافها في فترة ما عن الأخرى، وخاصة في تعامله مع مفهومها العام من جهة، واشتغالها في حقل الأدب بصورة خاصة من جهة أخرى، وأهم تصوراته عن اللغة والأساليب المشكلة لها كون أن اللغة هي مادتها وما يختلف بينها كمادة مستقلة، أو مادة داخلة في مجال ما، فيقول: “إذن، أن نرسم تاريخاً للغة الأدبية ليس هو تاريخ اللغة، ولا تاريخ الأساليب، بل مجرد تاريخ لإشارات الأدب، كما يمكننا أن نؤمل بأن التاريخ الشكلي سيظهر، بطريقته الخاصة التي لا تقل وضوحاً، علاقته بالتاريخ العميق” (بارت: ص28). هذه الجدلية في كون الظهور والتشكل في المادة يمكن أن يتوحد فيها الرأي، أو يختلف في طريقة الظهور للمدلولات الإبداعية على مر الفترات التي درسها (بارت) في مجاله الصفري للكتابة.
إنَّ إشكالية اللغة عند (بارت) تأتي في تصوراته الثلاثة التي يرسم من خلالها ملامح المرحلة التاريخية في ضوء نظرته للكتابة واللغة والتاريخ، وتشكيل ظاهرة الاختلاف بين الكاتب والكتابة في برجوازيتها، والموروثات الخاصة بها، وهذه النظرة الاختلافية المتأتية بين دائرتي الرفض والقبول التي ولّدت الإشكالية التاريخية في منظوره، ومن ثم هي قائمة على تصوراته الآتية:
- إن الوحدة الأيديولوجية للبرجوازية قد أنتجت كتابة وحيدة، وأنه في الحقب البرجوازية (الكلاسيكية والرومانسية) لم يكن ممكناً تمزيق الشكل ما دام الوعي غير ممزق.
- لكن منذ أن كف الكاتب عن أن يكون شاهداً على الكوني ليصير وعياً شقياً (حوالي سنة 1850)، فإن أول ما فعله هو اختيار التزام لشكله، إما باستمراره في الكتابة الموروثة عن ماضيه، وإما برفضها.
- ومن ثم فإن الإشكالية بين الرفض والقبول جعلت من الكاتب يقع بينهما، مما أدى إلى أن انفجرت الكتابة الكلاسيكية وأصبح الأدب كله، من (فلوبير) إلى أيامنا، إشكالية خاصة باللغة. (ينظر: بارت: ص29)
إنَّ مراحل ما يسميه (بارت) تجاوز الترسيخ التدريجي للكتابة في تاريخ فترة معينة، يقع في مراحله الأربعة؛ لكون أن المرحلة الأولى للتجاوز الذي حفلت به الكتابة -وخاصة منذ فترة (شاتوبريان) مروراً بـ(فلوبير) و(مالارميه) وانتهاءً بفترة نهايات القرن العشرين- فإن التجاوز حصل من الانتقال بين (النظرة) وهي العملية التي كانت بها مسألة الانفصال الأدائية، ومن ثم الاكتفاء بالنظرة إلى نفسها وهي تثبت هذا المجال الانفصالي في الوظيفة الأداتية. أما المرحلة الثانية (الصنعة) فهي في مقاربة لما يقوم به الخزاف وصانع الحلي، وهي مشابهة لما اشتغل به الكاتب في موضوع الكتابة لكونها تخضع إلى الصنعة. مروراً بالمرحلة الثالثة وأطلق عليها مرحلة (القتل) وتحطيم اللغة، أي تحويل مساراتها كلياً وتحويل الأدب إلى جثة ليس فيها روح اللغة السابقة. وصولاً إلى المرحلة الرابعة وهي مرحلة (الغياب) وما تكون عليه الكتابات بين النفي وبين العجز عن الإنجاز، وهذه المرحلة الأخيرة التي تكون فيها المحايدة أساساً لها تصبح الكتابة فيها أشبه بالحلم الأورفيوسي، أي الكتابة البيضاء، أو كاتب بدون أدب. (ينظر: بارت: ص 30، ص31).
إذن، فإن اللغة -وهي البناء المهم الذي تقوم عليه الكتابة- تأتي في دائرة التجرد من خلال فهم (بارت) لها في كون تجردها في كليتها وعدم تحديدها من قبل جهة ما أو شيء ما؛ فهي تشبه في تجردها الأعداد التي تأتي في كل الأشياء والمعدودات المختلفة لكنها غير داخلة فيها إلا من ناحية كونها مضافة لها. فاللغة كذلك تتضمن كل التعليمات والعادات المشتركة بين الكتَّاب في فترة معينة، وبذلك تكون مجردة من الحقائق كونها لا تعطي للكاتب أو تغذيه بما هو إيجابي تجاه ما يريد أن يقدمه، وما تقدمه له هو حقيقة التواجد في النتاج الإبداعي، وبين عدم التقديم وإيجابية التواجد، فهي مجردة من دائرة الحقائق دون التواجد الذي يبقى هو في ذاته محايداً كما هي قضية الغياب في المرحلة الرابعة من التجاوز.
إنَّ الجانب السلبي الذي يكون في مجال الحياد يكمن في كون اللغة ليست ابتداع الكاتب، بل هي ملكية مشاعة بين الناس جميعاً وليس للكاتب وحده، وهي شيء مرتبط بالمجال الاجتماعي وليس بالاختيار، ومن ثم تشكل مجالاً للتاريخ، فهي الأفق الإنساني القائم على تقييم ألفة ما في مجال الاشتراك، وليس الخصيصة الإبداعية. (ينظر: بارت: ص32، ص33).
إنَّ ثلاثية الكاتب تتكون من اللغة والأسلوب والكتابة، وتتشكل عن طريقها العملية الإبداعية لديه، على الرغم من أن هذه الثلاثية تكمل بعضها بعضاً؛ لكون اللغة هي المادة، والأسلوب هو الطريقة، والكتابة هي الشكل الذي يغلف اللغة والأسلوب، إلا أن عناصر هذه الثلاثية تقع في مجال الاختلاف بوصف عناصرها في ذاتها وذاتياتها مختلفة وفق الرؤية البارتية في موضوعة النتاج الأدبي. إذ يرى أن الاختلاف بين اللغة والأسلوب يكمن في أن اللغة “من دون الأدب، والأسلوب يكاد يكون أبعد منه: فهو صور، ودفق، وقاموس تولد كلها من جسم الكاتب وماضيه، شيئاً فشيئاً، الآليات نفسها لفنه، وهكذا تتكون تحت اسم الأسلوب (…) إنه شكل من دون مقصد، ونتاج اندفاع لا إنتاج نية، إنه أشبه ما يكون ببعد عمودي ومتوحد للفكر” (بارت: ص33). لذا فإن تحديدات الأسلوب يكون فيها البعد في مجال الاختلاف عن كون الأسلوب ليس مساوقاً للأدب ولا موازياً له، فهو يقع في دائرة البعد المستقلة عن الأدب ذاته؛ فالأدب شيء، والأسلوب الذي يدخل كعنصر أساس في الكتابة شيء آخر، على الرغم من أن هذا العنصر هو مكون لصورة الأدب الذاتية للمبدع في نتاجاته الأدبية. فالعمودية التي يشكل أساسها الأسلوب تكون فيها واقفة على أفقية اللغة -وهي العنصر الثاني من الثلاثية- المتكونة من التعليمات والعادات المشتركة بين كل الكتّاب في فترة ما؛ فهي لا تخضع في تشكيلها للكاتب وحده، ولا لمجموعة من الكتّاب، واللغة لا تكون خاضعة لأحد منهم في مجال الإيجاد لها، أي ليس للكاتب مهما كانت مكانته في عصره أن يكون الموجد لها، بل هي تقع مستقلة خارج إبداعه الذي من الممكن أن يكون هو صورة من صورها، وليس هو الأصل فيها ومكونها، لذا تأتي أفقيتها من كونها شاملة لكل أنواع التخاطب المعرفي، سواء أكان هذا التخاطب يأتي بقصد أم دون قصد، يأتي في كونه معبراً عن صورة أدبية ما، أم أنه يأتي في سياق التداول اليومي له في الأشياء. لكن كليهما -أي اللغة والأسلوب- “يرسمان للكاتب طبيعة ما، لأنه لا يختار أياً منهما. اللغة تعمل وكأنها سلبية، كأنها الحد البدئي للممكن، أما الأسلوب فهو ضرورة تربط مزاج الكاتب بلغته” (بارت: ص35). وهذه السلبية، بل نقول الحيادية التي تقف عليها اللغة في اشتغالات الكاتب، هي في كونها ليست ملكه، ولا هي خارج منظومته الإبداعية، أي تأتي بينهما. لهذا السبب تكون سلبيتها في اشتغال الكاتب عليها كونها خارجة عن سيطرته بصورة كلية مكتفياً بالقليل منها، ويمكن أن نصورها في مثال المشتغلين في النحت، لو أخذنا مثالاً واحداً من المواد المستخدمة في هذا الاختصاص، مادة التراب؛ فالأرض واسعة فيها أنواع من هذه المادة، والنحات لا يمكن أن يجعل كل تراب الأرض خاضعاً له، بل هو يستخدم ما هو يسير جداً في تشكيل إبداعه في عمله النحتي. كذلك اللغة في مدياتها الكلية لا يمكن أن يأتي شخص ويسيطر عليها ويخضعها، بل لا يمكن أن يقدم لهذه المادة الزئبقية غير المسيطر عليها في ظهوراتها المختلفة في عموميتها وخصوصياتها، لا يمكن إلا أن تكون سلبية ومحايدة في مجال العمل الإبداعي، سواء أكان هذا الظهور الإبداعي في كل الفترات أم في فترة ما. على الرغم من كون اللغة والأسلوب عنصرين مختلفين من حيث الإيجاد والتكوين والظهور، لكنهما حسب اعتقاد (بارت) داخلان في تكوين إطار شكلي آخر، وهذا الإطار الشكلي هو الكتابة، ويعدهما “قوتان عمياوان، والكتابة فعل للتضامن التاريخي. اللغة والأسلوب شيئان، والكتابة وظيفة: إنها العلاقة بين الإبداع والمجتمع، إنها اللغة الأدبية وقد حولها المقصد الاجتماعي، وهي أيضاً الشكل المقبوض عليه في نيته الإنسانية والموصول نتيجة لذلك بأزمات التاريخ الكبرى” (بارت: ص36).
إذن، فالكتابة في تصور (بارت) -وهو تصور ليس كلياً عن الكتابة بشكلها العمومي، بل في مجال معين وهي الكتابة الأدبية في منظورها المراد بحثه من خلال المجال الإبداعي وعلاقته بالتاريخ والمجتمع- تأتي عن طريق المقاصد الاجتماعية والإنسانية والتاريخ في أزماته وتشكلاته القائمة في التدوين والإنتاج للأفكار والمعرفة. ويسوق في ذلك المجال الإبداعي أمثلة في المقصديات الاجتماعية الموحدة على الرغم من اختلاف اللغة والأسلوب والفترة الزمنية الفاصلة بين كتّاب مثل (ميريمي وفينيلون)؛ والأول كاتب فرنسي وروائي وقاص عاش في القرن التاسع عشر، والثاني كاتب فرنسي عاش في القرن السابع عشر. ويعطي مثالاً آخر عن كتّاب عاشوا المدة الزمنية نفسها لكنهم قد اختلفوا في الكثير من الأشياء ومنها: النبرة، والغاية والأخلاق، وطبيعة الكلام في المجال الإبداعي على الرغم من انتمائهم للغة والمدة الزمنية نفسها، من أمثال هؤلاء الكتّاب (جيد وكينو) و(كلوديل وكامو) و(ميريمي ولوتريامان) وغيرهم؛ أي أن كتاباتهم متعارضة وليست متفقة في مجال الفعل الإبداعي في الكتابة. (ينظر: بارت: ص36، ص37).
وفي هذا السياق يرى (بارت) أن الكتابة، حتى وإن كانت متعارضة في الفترات نفسها ومتطابقة في المقاصد الاجتماعية في الفترات المختلفة، إلا أنها تأتي وفق غاية معينة يراها (بارت) هي ما يجب أن تكون عليه الكتابة، ويجعل الوعي أساساً لها وليس لفعالية ما أو لأجل استهلاك ما؛ فالكتابة يجب أن لا تخضع في صيرورتها لجزئيات قد تنتهي بانتهاء ما يراد منها كونها عابرة وليست مستقرة في فعل إبداعي. وهذا التصور على ما أعتقد هو ما يميز فترتنا الحالية في زمن العولمة ووسائل التواصل التي جعلت من الزخم الكبير للكتابة يُعتقد أنها إبداعية، وما يسيء لها طبيعة الجمهور الذي يؤيدها ويعطيها الدعم المعنوي، على الرغم من أن هذا الجمهور متنوع بين الواعي واللاواعي بما يفعله. وكأن (بارت) يشير في هذا الموضوع إلى الكتابة من خلال توجيه صريح لطبيعتها وغايتها، فيرى أن على الكاتب أن تكون “كتابته هي طريقة للتفكير في الأدب وليست طريقة لنشره، أو بتعبير أفضل: لما كان الكاتب لا يستطيع تغيير شيء في المعطيات الموضوعية للاستهلاك الأدبي (…) فإنه ينقل إرادياً ضرورة لغة حرة إلى مصادر هذه اللغة وليس إلى مآل استهلاكها” (بارت: ص38). كما يركز (بارت) في مسألة أخرى ليس في الغاية التي من أجلها تكون الكتابة، بل يركز على مسألة الالتباس بين الغائية الاجتماعية والمنابع الأداتية في كون أن الكتابة تُستغل بطريقة تجعل من هذا الالتباس أمراً واقعاً في الاشتغال وفي تقديم تصورات عن الكتابة ذاتها والسياقات في طريقة إنتاج الكتابة الإبداعية.
إنَّ الاختيار الحر للكاتب لطريقة إبداعاته في شكل الكتابة يجعل من اللحظة الإبداعية ذاتها تشكل منعرجاً تاريخياً في تشكيل الوعي لدى الكاتب، وهذا الوعي بحقيقة الكتابة لا يخرج من ضغوطات بسبب التاريخ الأدبي للكتابة واللغة والتقاليد؛ لذا فإن “الكتابات الممكنة بالنسبة لكاتب معين تتم تحت ضغط التاريخ والتقاليد: فهناك تاريخ الكتابة لكنه تاريخ مزدوج؛ ففي اللحظة ذاتها التي يقترح فيها التاريخ العام -أو يفرض- إشكالية جديدة للغة الأدبية، تظل الكتابة ممتلئة بذكرى استعمالاتها السابقة لأن اللغة لا تكون قط بريئة: فالكلمات لها ذاكرة ثانية تمتد بغموض وسط دلالات جديدة” (بارت: ص38). هذا ما يجعل الكاتب والكتابة أمام تحديد المسارات المختلفة عن طريق مفهوم الحرية الذي يراه (بارت) مرتكزاً أساسياً في عملية الاختيار بين ما يريده الكاتب في تحديد اشتغاله الإبداعي. ويكون فيه مفهوم الحرية على أسس واعية بالكتابة، وبين تصورات طارئة تنتهي مع انتهاء أسبابها، ومن ثم أنه يكتب وفق حرية اختيار قائم على الإبداع ذاته، وهو ما يدعو إليه (بارت) في ملامسة اللحظة ذاتها القائمة على اعتبار أن الكتابة لديه مجال من الحرية في الاختيار تؤرشف لفعل قائم على سلسلة من السياقات الإبداعية التي أنتجت التاريخ الأدبي وفق التمظهرات الواعية التي غيرت من طبيعة الوعي والعملية العقلية في تشخيص ما هو طارئ وبين ما هو خالص لصالح الكتابة الأدبية في ذاتها بوصف هذا الفعل الإبداعي هو نتاج جمالي في سياقاته التاريخية التي تعبر عن حقيقة الكتابة حسب تصورات (رولان بارت).
المصدر:
- رولان بارت: درجة الصفر للكتابة، ترجمة وتقديم: محمد برادة، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1981.