أ.د. محمد كريم الساعدي

يعد المؤرخ والفيلسوف الفرنسي (أرنست رينان 1823-1892) من الذين يركزون على التفوق الحضاري، والذي عمل على إرجاع التفوق إلى العالم الغربي من خلال الصراع الحضاري بين الشعوب السامية -التي يرجع لها الإسلام- والشعوب الآرية التي يرجع لها بعض الأقوام الأوروبية المتفوقة عرقياً. ورأى رينان في المحاضرة التي ألقاها عن (الإسلام والعلم) -والتي يستمد فيها أفكاره من (فولتير)- إذ يقول: “إنّ العقل الشرقي غير قادر على التفكير المنطقي والفلسفة، وكان ذلك سبباً في الوقوف دون تطور العلم والمعرفة في العالم الإسلامي. كان العلم القليل والفلسفة اللذان جاء بهما المسلمون نتاجاً لثورة على الإسلام” (1).

والإسلام -على وفق رأي أرنست رينان- دين بعيد عن التفكير والإبداع اللذين أصبحا من سمات الأمم المتقدمة، بل إن الإسلام أسهم في جعل الشعوب التي دخلت تحت رايته تعيش في التخلف والانحدار نحو الهاوية، والجهل والابتعاد عن المعرفة والتقدم. والإسلام على وفق تعاليم الرسول (ص) لا يتناسب مع المعرفة والعلم والتطور، بل هو دين استند إلى تعاليم دينية أبعدته كل البعد عن حقيقة التقدم؛ ولهذا السبب يرى رينان أنّ المسلمين “هم أول ضحايا الإسلام، وتحرير المسلم من دينه هو أفضل خدمة يمكن للمرء أن يقدمها له” (2)، وهذه الخدمة هي إبعاد المسلمين عن حضارتهم وديانتهم وانتمائهم لنبيهم.

وهنا نسأل أرنست رينان: هل هذه الأطروحة التي تقول بها معتمدة على دراسة الإسلام بشكل صحيح، ومن داخل المنظومة الإسلامية نفسها؟ أي هل اطلع (رينان) على (القرآن الكريم) ودرسه بشكل علمي سليم دون أن يعتمد على آراء الآخرين فيه؟ وهل درس حياة الرسول الكريم (ص) من مصادر المسلمين أنفسهم؟ أم تأثر بأقوال الآخرين، كما هو تأثره برأي فولتير أو غيره من المنظومة المعرفية الغربية التي وضعته بالضد من الإسلام ورسوله الكريم (ص)؟ هذه التساؤلات وغيرها عادة ما تكون بعيدة عن المفكرين الغربيين؛ فهم فقط يدرسون الإسلام وحياة الرسول من خارج الإسلام، متأثرين بآراء بعيدة عن الإسلام نفسه. لذلك كانت نظرة (أرنست رينان) عن الرسول محمد (ص) تناقض الحقيقة وبعيدة عن صفاته، إذ يرى (رينان) في الرسول -وحسب رأي نسبه إلى المسلمين- بأنهم “اعترفوا أنّ الرسول في مناسبات عدة كان أكثر استجابة لرغباته منه إلى واجبه”. و(رينان) الذي نظر إلى القرآن الكريم كـ “ثورة أدبية بقدر ما هو ثورة دينية”، خلص إلى أنّ الحركة الإسلامية حصلت دون إيمان ديني، وأنّ النبي لم يقنع سوى أناس قليلين في الجزيرة العربية (…)، يقول رينان أيضاً: “كل إنسان يتمتع بالحد الأدنى من الاطلاع على شؤون العصر يرى بوضوح الدونية الحالية للبلدان الإسلامية والانحطاط الذي يميز الدول التي يحكمها الإسلام، والبؤس الفكري للأعراق التي لا تقتبس ثقافتها وتعليمها إلا من هذه الديانة” (3).

إنّ آراء رينان تكشف عن عدد من النقاط التي يراها في الإسلام ورسوله الكريم (ص)، وهي كالآتي:

• إنّ الإسلام دين يبعد العقل ويعتمد فقط على الطقس الديني، وهذا ما يجعل الشعوب التي تعيش تحت سلطته شعوباً متخلفة بعيدة عن التطور والعلم والمعرفة.

• إنّ هذه الديانة تأتي -على وفق ترتيب رينان المؤدلج- في المراتب الدونية، وهي منحطة وتعيش في بؤس فكري، مما انعكس ذلك على الأعراق التي عاشت في ظلها؛ فهذه الأعراق هي الصورة الطبيعية للدين الإسلامي وأفكار الرسول (ص)، وخير دليل يراه رينان هو حال البلدان الإسلامية وثقافتها المستمدة من هذه الديانة.

• إنّ هذه الأفكار والثقافة الإسلامية التي أوجدها الرسول (ص) يراها (رينان) ما هي إلا استجابة لرغبات الرسول (ص) فقط وليست مستمدة من رسالة سماوية؛ وهذا ما ينقله رينان عن المسلمين ورأيهم برسولهم كما يزعم. وفي هذه الصورة تجنٍ كبير؛ كون رينان نفسه قد تأثر بآراء غربية صورت الرسول (ص) في صورة مشوهة قائمة على الرؤية من خارج الإسلام، أي نظرة غربية بعيدة عن الموضوعية في هذا المجال.

وننتقل إلى كاتبين آخرين هما (واشنطن إيرفينج 1783-1859) و(مارك توين 1835-1910)؛ فالكاتب الأول نشر كتاباً بعنوان (محمد وخلفاؤه) (Mahomet and his Successors)، أراد فيه أن يقدم صورة عن أنظمة الحكم في الإسلام والتي تتميز بحكم الرجل الواحد المتسلط (الأوتوقراطي)، وتشكيل سلطة دينية (ثيوقراطية) بعيدة عن الديمقراطية حسب المفهوم الغربي. وهذه الطريقة في الحكم صنعت شعوباً بعيدة عن الحرية، وهذا السياق من الحكم يبقى في نفس التصورات السابقة بأنه حكم الرجل الواحد الذي يسيرهم بحسب أهوائه، وهذه الشعوب تبقى تعيش في وضع العبيد الذين لا يستطيعون تغيير أي شيء في حياتهم.

أما الكاتب الثاني (مارك توين)، ففي كتابه عن الشرق الذي يحمل عنوان (السذج في الخارج) قدم فيه نقداً للمسلمين على أنهم شعوب همجية قذرة وجاهلة ومتخلفة، يؤمنون بالخرافات التي أتتهم من طبيعة حياتهم وطريقة حكمهم ودينهم؛ ففي زيارته إلى فلسطين يصفهم بأنهم يعيشون في مستنقع قذر لا يعبأون بالجهل ولا الوحشية، أما في زيارته لمصر فرأى بأنهم لا يستحقون التقدير. إنّ كتاب (السذج في الخارج) مليء بصور ذهنية لكاتبه عن شرق أوسط مسكون بالقراصنة والأنبياء والمعوزين. وبالتالي فإن عدم التفريق بين هؤلاء وأوصافهم وأوصاف الشعوب في الشرق الأوسط، يجعل من (توين) يعيش في صورة تحمل النمطية ذاتها عن هذه المنطقة، كون دينهم لم يرتقِ بهم إلى مستوى الحياة. وكل هذه الأوصاف المنحازة في ذهنية (توين) يتحملها الإسلام ونبيه الذي لم يرتقِ بهم إلى مستوى الشعوب والأمم الأخرى كالشعوب التي تعيش تحت سلطة المسيحية في الغرب (4).

وكان لبعض رجال الدين من الأمريكيين مواقف من الرسول محمد (ص) والإسلام مبنية على تصورات سابقة لمفكرين وكُتّاب ووعاظ، لكن هذه التصريحات للأمريكيين المعاصرين كان لها دور في رسم وتأكيد العداء ضد الإسلام ورسوله الكريم في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الأوصاف تتناغم مع السياسات الحالية في وصف العرب والمسلمين بأنهم إرهابيون، وهم شعوب بعيدة عن الحياة والتحضر. وإذا استعرضنا بعض أقوال هؤلاء الكُتّاب الذين يمثلون الشريحة الدينية في أمريكا الذين يعدون العالم الإسلامي تهديداً ويدعون إلى عدم احترام مقدساته، نجد أن هذا يجعل الكراهية تزداد للمسلمين في أمريكا، ويجعل المسلمين يزدادون كرهاً أيضاً لأمريكا.

ومن هذه الأقوال: يقول (بات روبرتسون): “لقد كان أدولف هتلر إنساناً سيئاً لكن ما يفعله المسلمون باليهود هو أسوأ مما فعله هتلر. وعندما يشير (الأب جيري فالويل) في كلامه عن النبي محمد (ص) بأنه إرهابي، وعندما يقول (جيمي سواغارت) في صلاته: ليبارك الله أولئك الذين يباركون إسرائيل ويحفظونها، ويلعن أولئك الذين يلعنونها. وعندما يقول الأب (فرانكلين غراهام) عن الإسلام إنه دين شرير، كما يقول إن المسيحية والإسلام “يختلفان عن بعضهما اختلاف النور والظلام” (5).

وهذه الأقوال الأربعة هي خطاب مكرر يرجع إلى أزمان سابقة، وهو الخطاب الذي أنتجه هؤلاء الكُتّاب دون أن يقع تحت مبدأ المساءلة عن الإساءة للآخرين، كما هي الطريقة التي يحارب بها كل شخص يتناول اليهودية بالأقوال أو الأفعال. وهذه الإساءات للإسلام ورسوله الكريم (ص) لم تواجه من قبل الساسة في الغرب لأنها -حسب زعمهم- تقع تحت بند حرية التعبير.

ونستنتج من هذه الأقوال الأربعة ما يأتي:

أولاً: إنّ تهمة الإرهاب التي أصبحت في الوقت الحاضر الصيغة المهمة لاتهام الآخر هي صفة من صفات الرسول (ص) حسب رأي (جيري فالويل)؛ والذي -على وفق قوله هذا- يجيز الإساءة للرسول (ص) واتهام دين الإسلام بأنه دين إرهابي أوجد الإرهاب بصيغته الحالية في العالم.

ثانياً: إنّ الإسلام هو “الأسوأ” في الوقت الحاضر، أسوأ حتى من (هتلر) وما فعله في أوروبا، وهذا يعطي الحق للدعوة في الصلاة (جيمي سواغارت) ضد الإسلام لأنهم يلعنون اليهود؛ وبالتالي فإن الإسلام دين شر.

ثالثاً: الإسلام دين الشر والظلام يختلف عن الديانات الأخرى (اليهودية والمسيحية) كاختلاف النور والظلام، والخير والشر، والمسامحة والإرهاب. وهذه الثنائيات ليست جديدة بل هي تقسيمات قديمة ترجع إلى الحروب الصليبية وما قبلها من ثنائيات كانت تُستخدم للتفريق بين الإسلام والغرب.

الهوامش:

1. ساردار، ضياء الدين: (الاستشراق: صورة الشرق في الآداب والمعارف الغربية)، ترجمة: فخري صالح، أبو ظبي: كلمة، 2011، ص 97.

2. مقال: (هل حقاً العظماء يعرفون محمداً؟)، إنترنت: مجلة مصر المدنية، مجلة مصرية علمانية ليبرالية اجتماعية (يونيو 2015).

3. فرج، ريتا: (الساميون والإسلام في الاستشراق العنصري عند رينان)، جريدة الحياة، في 18/7/2014.

4. ينظر: ليتل، دوجلاس: (الاستشراق الأمريكي)، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009، ص 63-64.

5. شوير، مايكل: (الفوقية الإمبريالية الأمريكية)، ترجمة: سيمة عبد ربه، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2005، ص 31.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *