أ.د محمد كريم الساعدي

إنَّ عملية صياغة شكل وطبيعة ثقافة الآخر الجديدة قائمة أساساً على محو كل نتاجه الثقافي والفكري الذي لا يتطابق -حسب فهمهم- مع المرجع الثقافي الغربي. وحقيقة الهيمنة كمفهوم ثقافي تأخذ عمقاً أبعد في إلغاء ثقافة الآخر أو دمجها في ثقافة المرجع الثقافي العالمي (الغربي)؛ وذلك لأن العملية تأخذ طابع الاستحواذ والسيطرة من أجل تغيير ملامح الهوية الثقافية المحلية.

لذلك نرى بأن صورة العربي المسلم تأخذ ملامح أخرى في هذه الثقافة العالمية، وعندما يُذكر المسلم ذو الملامح العربية والشرقية، تأتي صورتهم عنه جاهزة ومعدة سلفاً؛ تتطابق مع هوية رُسمت له كونه متخلفاً وبعيداً عن الثقافة، لكون ثقافته المحلية قائمة على القتل والإرهاب، وكون هذه الثقافة متجذرة وتعود إلى طبيعته وقيم أخلاقه ومنظومته الفكرية. وبالتالي أصبح هذا الخطاب وصورته العالقة في ذهن الجمهور الغربي -الذي هو صناعة المؤسسات المهيمنة بامتياز- مليئاً بهذه الأوصاف الدونية، مقابل الصفات العليا صاحبة الحضارة للمواطن الغربي. ومن هنا يجب على المواطن الغربي التسليم لهذه الأوصاف واعتناقها والاعتقاد بها؛ وهي لم تأتِ مباشرة، أو تُصنع في القرن الحالي، بل هي نتيجة لما حفل به العقل الغربي وفكره المتعالي ضد الآخر العربي الشرقي المسلم.

ومن هنا، إذا أردنا أن نتأكد نحن العرب كمسلمين وشرقيين، نقرأ ما كُتب عنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإذا أردنا أن نعرف مدى تطبيق الثقافة الغربية علينا كمرجع لتقليدها فلندقق في عدة جوانب، منها: أن ما يُدرس في مدارسنا من لغات أوروبية وغربية ليست فيها قصصنا وتراثنا وأخلاقنا وقيمنا، بل ما يوجد هو القيم الغربية والأخلاق الغربية والعادات والتقاليد الغربية، حتى إن الدارس العربي للغات الأوروبية والأمريكية يلاحظ أن التغيير يشمل ملبسه ومأكله، وكلما نُذكر أمامه الثقافة العربية يستهجنها ويستشهد دائماً بالثقافة الغربية.

ومن جانب آخر، إذا أردنا أن نختبر صورة العربي في الثقافة الغربية ما علينا إلا أن نقرأ مسرحية (عطيل) لشكسبير، ونشاهد التمييز الذي يقع بحق (عطيل) الشرقي صاحب البشرة السمراء عن ثقافة المحيط الأوروبي، وكيف أن غيرته -التي تُعد عيباً في الغرب- قد قضت عليه، وكيف أن عقله مغيب وهو قاتل البراءة الغربية المتمثلة بـ(دزدمونة). كذلك إذا أردنا أن نرى ونتصور شكل البطل الغربي

(السوبرمان) والمخلص، نقرأ مسرحية (العاصفة) لشكسبير أيضاً، أو رواية (روبنسون كروزو) للكاتب (دانيال ديفو)؛ وهذه الأعمال -وخصوصاً أعمال شكسبير- أصبحت من أولويات الدرس في مدارسنا وجامعاتنا، وذلك لتأكيد مفهوم التفوق الغربي حتى داخل المناهج الدراسية، وتثبيت صورة التفوق في عقول وأذهان أبنائنا والأجيال القادمة كما رُسخت هذه المعلومات فينا وفيمن كانوا قبلنا. لماذا لم تتناول المدارس وغيرها قصصاً من تاريخنا العربي في دراسة الأدب الإنجليزي؟ ولماذا لم تُدرس القيم السليمة التي يحملها المسلم العربي في المناهج الدراسية الغربية؟ أم نحن يجب أن ننفذ ما يُطلب منا ويُساق لنا ثقافياً وحضارياً دون أن نبحث عما في داخله، وما وراءه من مقاصد؟ فهل أدبنا قاصر؟ أم غير جيد؟.

إن هذه التساؤلات وغيرها من حقنا أن نوجهها للآخر الغربي ونطلب منه تغيير الصورة السلبية عنا وعن رموزنا ومنهم (الرسول محمد ص)، الذي أصبح مثار سخرية في الصحف الغربية ذات الحرية في التعبير، حتى على مقدسات الآخرين، علماً أنهم علمونا أن الحرية في التعبير تنتهي عند حرية الآخرين وحدودهم الفكرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها. فلو كان الغربي جاداً في بناء صورة جديدة عن الإسلام ورسوله وعن العربي الشرق أوسطي، دون أن تكون هناك مقاصد خفية وراء استبعاد التغيير في المناهج الغربية -وأقصد المناهج التي تعدل من الصورة السلبية عن الشرق وحضارته وديانته ورموزه وأولهم الرسول محمد (ص)- لكانت صور التعايش أفضل مما نشهده اليوم.

لكن من المستحيل أن تتغير صور الإساءة والتشويه التي جُبل عليها الذهن الغربي ومؤسساته وسلطانه في كونها قائمة على نظام الهيمنة في رسم سياسات العالم نحو هدف محدد، مفاده أن تبقى صور التعالي والتفوق باقية، وفي مقابلها تبقى صور الانتقاص والإساءة والتشويه ضد الآخر. وما هيمنة الخطاب الغربي ثقافياً ومعرفياً إلا صورة من صور الاستمرار بهذه الهيمنة، وبالتالي إيجاد صورة سلبية أو ما يسمى -بحسب المفهوم الغرامشي- بـ(الحس العام)، وهو مصطلح مطلق السلبية وفق مفهوم (غرامشي) للهيمنة، والذي جعل من المؤسسة الغربية قادرة على خلق أساطير للسيطرة على الآخر وتمكين سلطتها من بسط نفوذها وإرساء هيمنتها وحكمها بكافة المجالات ومنها الثقافية. وبذلك استطاعت خلق (حس عام) لدى مواطنيها عملت على تأكيده في رسم صورة الآخر بأنه مناقض وغير قادر على بناء نفسه فكرياً وثقافياً، وهذه الصورة عملت على تأكيدها أيضاً في ثقافة الآخر نفسه وجعله يعتقدها فعلاً.

لذلك فإن مثال الحالة الثانية جاء وفق ردود الأفعال التي لم تكن بالمستوى الحقيقي لأزمة الرسوم المسيئة، واكتفت الجماهير الشرقية والعربية المسلمة بالشجب والاستنكار، دون الرد على هذا التشويه بأفعال حقيقية منها المقاطعة الاقتصادية والثقافية التي تجعل من المؤسسة الغربية تحاسب من قام بهذه الأفعال بشكل جدي. لكن ردود الأفعال جاءت -حتى على المستوى السياسي- غير لائقة بهذه المصيبة الأخلاقية والإنسانية التي تعرض لها رسول الإسلام (محمد ص)، وهي ليست الأولى على مر التاريخ ولا أعتقد بأنها الأخيرة أيضاً، ما دامت الهيمنة الثقافية مسيطرة علينا، وكذلك مترسخة في ثقافتنا، وغير قابلة للتغيير في الذات الغربية ومؤسساتها التي ما زالت تسوق الصور المسيئة والمشوهة عن الإنسان الشرقي وأخلاقه وقيمه، مستهدفة بذلك ديانته الإسلامية وخصوصاً العرب، الذين اكتفوا بالشجب والاستنكار دون أن يطوروا وسائل الرد المناسبة على هذه الإساءات، بل حتى دون أن يفعلوا قوانين ازدراء الأديان، كما هو حاصل مع من يعتدي على (السامية/اليهود) عالمياً.

عرض أقل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *