
الذات وخطابات السلطة الكولونيالية بقلم: الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي
شكلت السلطة الكولونيالية خطابها على مفهومي (التمركز حول الذات والثبات)، وكلا المفهومين يمنحانها آليات التحكم بالثقافة على المستوى العالمي؛ لذلك كانت فكرة عالمية الثقافة والآداب تنطلق من مفهومي التمركز والثبات. وهنا سعى منظرو خطاب ما بعد الكولونيالية إلى تفكيك مفهوم التمركز، من خلال البحث في الثنائيات التي جعلت خطابه قائماً على النظرة المتعالية و”الآخر” ذي الصفات السلبية، وهذه النظرة هي حصيلة تاريخ فكري وفلسفي وحضاري غربي موجه ضد الشرق.
إذ سعى منظرو الخطاب ما بعد الكولونيالي إلى البحث في هذه الثنائيات وتثبيتها في الخطاب الكولونيالي لإدانته بها، وكذلك للبحث عما يقابلها من أصل مغيب والعمل على تفعيله من خلال الحضور الثقافي لها، وهذا يساعد في تفكيك الثنائيات في الثقافة الإمبريالية التي تطورت في ذلك النزوع الذي يبديه الفكر الغربي بوجه عام نحو رؤية العالم في ضوء المقابلات الثنائية التي تؤسس علاقة هيمنة وتسيد. ويمثل التمييز البسيط بين (المركز / الهامش)، (المستعمِر / المستعمَر)، (عاصمة الإمبراطورية / المستعمرة)، (متحضر / بدائي)، بفعالية كبيرة، التسلسل الهرمي الجائر الذي تقوم عليه الإمبريالية وتخلده، وتتصل المتقابلات الثنائية بنيوياً بعضها ببعض في تمركزٍ حول الذات المؤسسة ورؤيتها للآخر.
إن البحث في الاختلاف الثقافي بين المركز والهامش يساعد في تفكيك مفهوم (الثبات) في المرجعية العالمية للذات المؤسسة في مجالات الثقافة والأدب والفن وغيرها؛ لأن إيجاد مراكز أخرى تكون حاضرة في الساحة الثقافية العالمية سوف يسحب من المركزية الغربية موقعها الذي سعت إلى الحفاظ عليه وفق مفهوم (الثبات)، في فكرة التقدم العرقي والطبقي وفي مفهوم التبعية العمياء للمركز في المجالات الثقافية وغيرها. إذ سعت ما بعد الكولونيالية إلى تفكيك مفهوم العالمية لكونها المرجعية الوحيدة التي تصادق على جودة النتاج الأدبي أو الفني وغيره.
ومثالٌ على ذلك، أن يجعل النقد الأدبي والفني في أوروبا وأمريكا من الثوابت (الإنسانية الجوهرية) ثوابت يُرجع إليها سر عظمة أدباء عالميين من أمثال (شكسبير) أو (دانتي) أو (جوته)، أو غيرهم من الذين يحدد هذا النقد عظمتهم بقدرة إبداعاتهم على كشف جوانب خفية من (وضع إنساني عالمي) موجود في كل زمان ومكان؛ أي أولئك الذين يجعلون من آدابهم الإطار المرجعي الأوحد لتصوير (الوضع الإنساني العالمي) في كل زمان ومكان، كما يجعلون من أفكارهم عن العالمية وسيلة من وسائل الضبط في علاقاتهم الثقافية بآداب المجتمعات غير الأوروبية.
إن العمل على زعزعة المركزية في مفهومها العالمي يسهم في سحب يد السيطرة والتسلط والتسيد على شعوب العالم الأخرى ثقافياً، وإدخال نتاجات العالم الثقافية إلى دائرة الضوء بعد أن كانت مغيبة بحجة المقياس الذي يضمن حضورها في الساحة الثقافية العالمية، ومدى قربها من المركز وتبعيتها له، من حيث استخدامها لغته ومصطلحاته كجواز مرورها الثقافي. ولا بُدَّ من إعادة النظر في هذا (الثبات)؛ إذ ساعت خطابات ما بعد الكولونيالية في كسر الواحدية العالمية وتفكيك رموز هيمنتها، ونقل مركز الثقل في النظرة الثقافية من خلال توسيع دوائر الاهتمام بالهوامش التي أخذت ترد بالكتابة على رواسب الهيمنة الكولونيالية القديمة وأشكال الهيمنة الإمبريالية الجديدة، وفرضت إعادة النظر في خطابات الاستعلاء التي انتسب إليها خطاب الاستشراق وخطاب نزعة عالمية الأدب المركزية وغيرها من خطابات الهيمنة الموازية التي أفقدت اللغة الإمبريالية هيمنتها وسيطرتها في الساحة الثقافية.
كذلك ركز منظرو خطاب ما بعد الكولونيالي على تكوين الذهنية الغربية وجغرافيتها المتخيلة التي وُضع فيها الشرق. إن عملية تفكيك هذه الجغرافيا تستند إلى تفكيك مسرح الأحداث وفق ما هو متخيل وحاضر في الواقع الثقافي الكولونيالي، والعمل على تفعيل ما هو واقعي وحقيقي لكنه مغيب في الذهنية الغربية. فمساحة الشرق خُلقت من الأداء الاستشراقي أولاً، والثقافي ببعديه (الأدبي والفني) ثانياً، والكولونيالي ثالثاً؛ وأنتجت صوراً عن الشرق وُزعت على مساحاته في عملية تشكيل وتكوين الآخر وشرقنته وتمثيله. وهذه العملية المتخيلة نتجت عن صور ذهنية مستقاة من قصص في أغلبها غرائبية وبعيدة عن حياة الشعوب الشرقية وعاداتهم وتقاليدهم، ولكن العقلية الغربية -من أجل تمرير مصالحها وما يخدم تنفيذ أهدافها- تعاملت مع الجغرافيا الحقيقية للشرق بأسلوب لا واقعي ناتج عن محاكاة صور ورؤى مسبقة في الذهنية الغربية. وليس من وظيفة التمثيل أن يعكس واقعاً موضوعياً، بتعبير آخر: لا يمثل التمثيل استحضاراً للشرق بقدر ما هو إقصاء له وإلغاء، وإعادة إنتاج مشرق متخيل يشبع الرغبة الغربية والمقموعات التاريخية؛ فالشرق الذي يتعامل معه الغربي هو شرق مخلوق ذهنياً (إسقاطياً) ومفروض على واقع خارجي رُسمت ملامحه وفق تصورات وتمثيلات افتراضية، كتغيب العقل والاستعانة بالخرافة في بناء معتقداته لتشكل ثنائيات تميزه عن الغرب.
إن عملية التفكيك للنتاج الثقافي الغربي وسلطته الكولونيالية كان الهدف منها فضح الطريقة التي تشكلت بها وتحليلها كظاهرة وموضوع ومعرفة في تكوين الآخر. وهنا، التفكيك لم يأتِ لبناء ملامح سلطة جديدة أو حتى إعادة بناء صور السلطة الكولونيالية في ذاتها، بل هو إدانة للإرث الثقافي والقمعي المفروض على الثقافات الأخرى. وتفكيك خطاباته يأتي من خلال إعادة قراءة المرويات التي ظهرت في إطار القوة الكولونيالية، أو التي دعمتها سابقاً، أو التي ظهرت كنتاجات تابعة لها عملت على جعل الثقافة الشرقية تقع في دائرة التبعية للغرب.
وكذلك استند تفكيك الخطاب الكولونيالي عند منظري خطاب ما بعد الكولونيالية إلى البحث في (التأجيل والاختلاف) كعلامة، وفي الأثر الذي ينتج عنهما، وليس في الدال ومدلوله المبني في عقلية غربية متعالية لا ترى الآخر إلا في إطار هامشي وليس مماثلاً أو مقابلاً لها. وهنا يأتي البحث عن مفهوم الحضور والغياب لإيجاد الإشارات والعلامات والتمثيلات للآخر من أجل قلب معادلة الهيمنة في إطار زعزعتها وكشف ما يناقضها في بنائها الداخلي، وما نتج عن الفضاء الثالث من نتاجات هجينة بين ما فُرض بقوة على الآخر وما قدمه الآخر من مقاومة في فضائه، لينتج عن الصراع الثقافي بينهما نتاجٌ هجين يشير إلى الممارسات الكولونيالية على الشعوب والثقافات الشرقية.
إن تفكيك الصورة البديلة التي نُسجت للمواطن الأصلاني في الخطاب الكولونيالي يبدأ من خلال تفكيك الثنائيات التي جعلت المواطن الأصلاني في صورته السلبية مقابل الغربي الذي كانت له المراكز العليا، وهذه الثنائية لم تكن حقيقية على أرض الواقع بل كان هدفها تمييز الشعوب. وهذا ما عملت عليه الذات المؤسسة التي أطلقت مفهومها للحداثة ضد الآخر، حيث كانت الحداثة الغربية توفر فضاءً ملائماً من أجل انبثاق الخطاب حول الآخر، والذي كان الغرب في مسيس الحاجة إليه. ولذا كان الآخر الشرقي على الدوام خاضعاً بانتظام لنوع من التقيد البلاغي في الاستشراق الغربي الذي تخطى ببصره العالم الجغرافي إلى الثقافي، وحصر المعنى الكلي والحقيقة الكلية في مركزه، وترك نظامه الفكري ومقولاته الفلسفية تقود إلى فرض استسلام الآخر وخضوعه للتقليد العلمي الغربي.
لقد قدم منظرو ما بعد الكولونيالية عدداً من الإجراءات لتفكيك الصورة السلبية للمواطن الأصلاني والبحث في آثارها الكولونيالية في خارطة الجسد الأصلاني، الذي أصبح مفتاحاً مهماً لتفكيك الخطاب الكولونيالي الغربي وسلطته الإمبريالية، إذ تم تناول مفاهيم أخرى مقابل ما وُضع للمواطن الأصلاني وأفعاله التابعة، ومنها:
- التركيز على التحفيز الثقافي مقابل التحنيط الثقافي والفكري، كما هو عند (فانون).
- مقاومة التغييب والاستلاب والنهوض بالثقافة الأم من خلال العودة إلى الجذور الثقافية والتقاليد الاجتماعية التي نمت فيها ثقافة المواطن الأصلاني، كما هو عند (فانون وسعيد).
- البحث في آليات الصراع والهيمنة كما عند (إدوارد سعيد).
- البحث في جذور الاستغلال والاستلاب (ورؤية فانون لها)، ورؤية كل من (سبيفاك وهومي بابا) لمفاهيم مثل التبعية والصوت التابع والخضوع.
وصولاً إلى البحث في مفهوم التمثيل الذي جعل المواطن الأصلاني عاجزاً عن أن يمثل نفسه في الثقافة العالمية بسبب الفارق الثقافي بين الثقافتين الشرقية والغربية. إذ عمد منظرو ما بعد الكولونيالية إلى دراسة نتاجات الأصلاني المغيبة من أجل الوصول إلى ثقافته المقاومة للتغييب وإيصال صوته، وهدم فكرة التمثيل الزائف في المركزية الغربية وصورها عن الآخر الشرقي، وإيجاد مراكز أخرى مقابلة لها في نتاجات المواطن الأصلاني، والبحث في المفردات التي تشير -وفق مفهوم الاختلاف الثقافي- إلى تفسير الأفعال التي وقعت تحت تأثير الضغط السياسي الغربي وممارسته القمعية عليه. وبالتالي، إرجاع صوته وتحطيم صورة التبعية والخضوع والسكوت التي وُضع فيها من أجل فضح السياسة الكولونيالية.
وهنا يرى (سعيد) أن نتاجات ما بعد الكولونيالية يرمز فيها كُتّاب المستعمرات لماضيهم في أعماقهم كندوب لجراح مذلة، وتحريض على (خلق) ممارسات مختلفة، ورؤى للماضي تملك الطاقة على التنقيح وتنزع نحو مستقبل ما بعد استعماري، وتجارب قابلة بإلحاح لإعادة التأويل والتوزيع والمركزة؛ فيها ينطق الأصلاني الذي كان صامتاً في السابق ويمارس الفعل على أرضٍ استعادها كجزء من حركة مقاومة شاملة ضد المستعمِر المستوطن. وكذلك هدم مفهوم النخب الثقافية التابعة للمستعمِر، التي امتازت بصناعة ثقافية في ضوء الخطاب الثقافي الكولونيالي، من أجل تخليص الثقافة المحلية واسترجاع التاريخ الثقافي المغيب، وكذلك البحث في النتاجات المهجنة وفضائها الثقافي الثالث، وما فُرض فيه ثقافياً، وتسجيل حالات التأثير الكولونيالي فيها، وصولاً إلى إعادة الصوت المغيب وثقافته التي أصبحت تشكل حجر الأساس في استعادة الهوية الثقافية للشعوب المهمشة.