أ.د. محمد كريم الساعدي

إنَّ المتتبع لدور الفن في المجتمع يرى أنه يأتي من أن كلاهما (الفن والمجتمع) يخضع لعملية أخذٍ وعطاءٍ بين طرفي المعادلة، في كون أن الفن يأخذ مادته من المجتمع، والمجتمع يرى أفعال أبنائه وما يريد أن يكونوا عليه من خلال ما يقدمه الفنان في إعطاء صورة المجتمع، وما ينبغي أن يكون عليه. وهذه الرؤية من قِبل الفنان ليست رؤية عامة، بل فيها تباين بين فنان وآخر وحسب الموضوع والأهداف والرؤى والقابلية الاجتماعية التي لابد أن يكون فيها الفنان واعياً هذه الرؤية أو تلك، وحسب اختلاف الطرائق الفنية التي يريد أن يعبر بها، أو الوسائل التي يريد أن يتخذها في عمله، أو المادة الفنية التي لابد أن تكون متوافرة تحت يدي الفنان من أجل الوصول إلى هدفه في ما يخص المجال الفني. وهذه العناصر الثلاثة (المادة، التعبير، الموضوع) التي يشير إليها (الدكتور زكريا إبراهيم) في كتابه (مشكلة الفن)، والتي تكوّن العمل الفني واشتغاله وتأثيره في داخل المجتمع، وهي قائمة على بنيتي الزمان والمكان في المجال الفني وما لهما من تأثير في بنيتي الزمان والمكان الأصليتين في المجتمع.

وفي المقابل، فإن المجتمع الذي هو الرافد الرئيس الذي يمد الفنان بموضوعاته ومعطياته في الجمال والقبح من خلال أفعال أبنائه ودلالات هذه الأفعال في تكوين الفعل الفني؛ سواء أكان في اللوحة التشكيلية، أم الصورة الدرامية، أم في الأنغام الموسيقية وغيرها، إضافة إلى رافد الخيال والإبداع لدى الفنان الذي يستهدف من خلال أعماله المجتمعَ عبر أفراده الذين يتلقون العمل الفني ويعيدون صياغة أفعالهم وعاداتهم وسلوكياتهم نتيجة للأثر الفني فيهم، وكما عبّر عن ذلك (أرسطوطاليس في كتاب فن الشعر) كون أن الهدف المعني هو التطهير من خلال الخوف والشفقة في فن التراجيديا، أو من خلال النقد لبعض السلوكيات من خلال فن المحاكاة لأراذل الناس في الكوميديا.

هذه العلاقة التي تكلمنا عنها يفقهها الدارس للفن، لكن توجد دراسات أخرى تُعنى بهذه العلاقة، وهي دراسات يقوم بها علماء السوسيولوجيا وما يريده هؤلاء العلماء من نظرة متفحصة تكشف عن حقيقة تأثير الفن في المجتمع، أو العكس، أي أن دراسة السوسيولوجيا للفن تتضمن “في الأساس فحص العلاقات بين الفن من جهة والمجتمع من جهة أخرى (…) يطرح علم الاجتماع سؤالاً جوهرياً: بأي الطرق تؤثر العلاقات والمؤسسات الاجتماعية في ابتكار وتوزيع تذوق الأعمال الفنية؟” (1). وفي الإجابة عن هذا السؤال، عمل علماء الاجتماع في البحث عن العلائق الجوهرية التي أوجدها الفنان في عملله من خلال المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يشكل منطلقاً أساسياً في إنتاج المعطى الفني الخاص بالمجتمع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى البحث في أهم المعطيات الاجتماعية التي تميز بها المجتمع وفرضت على العمل الفني وجودها؛ سواء أكانت هذه المعطيات إيجابية لإبرازها، أم سلبية لنقدها والبحث عن البديل لها في المجال الفني.

إنَّ الفعل التنظيمي الذي يسعى إليه علماء الاجتماع في دراسة الظواهر العامة في المجتمع، ومنها الظواهر الفنية ومظاهرها الإبداعية، جاء على أساس أن النظرية الاجتماعية تعمل من خلال خبرائها لـ”تفسير خبرة ما وفهمها على أساس خبرات وأفكار أخرى عامة عن الحياة. وتأسيساً على ذلك، يمكن النظر إلى بعض الفروق بين التفكير النظري بصيغته اليومية” (2) وما يحتويه في داخل النتاجات التي هي تصوير عملي لهذا التفكير النظري، وبين أهم ملامح هذه الصورة التي ينتجها لنا الفن والفنان من عمل في تكوين هذا النتاج الفني الذي هو ناتج عن تفكير نظري وخبرة عملية مستخلصة من تراكم صيغ يومية يعيشها الفنان ويدرسها عالم الاجتماع في نتاجات الفن بمختلف صورها.

ومن منطلق آخر، يرى علماء الاجتماع أن ليس كل ما يُقدم في مجال ما يُعد في صورة الفن، بل إنَّ النتاجات الفنية يجب أن تخضع لمبدأ مهم وهو الإبداع؛ من حيث أن العمل المقدم في صورة فن يحتوي على معايير إبداعية وفنية يمكن دراستها على اعتبارها تدخل في المنظور الفني من حيث جدتها وأصالتها واحتوائها على عناصر فنية من حيث الموضوعات والتعبير والمادة المستخدمة التي تشير إلى أن هذا العمل الفني يخضع للقياسات الإبداعية والجمالية، حتى وإن كانت تقع في مجال النقد وتبيان قبح المجتمع والإنسان معاً. لذا يذهب “علماء الاجتماع إلى أنه ليس لأي قطعة خصائص فنية ذاتية. ومن ثم، يميل علماء الاجتماع إلى الاعتقاد أن الطبيعة الفنية لأي عمل فني ليست طبيعة ذاتية ودائمة لتلك القطعة، بل هي صفة تُوسم بها من قِبل بعض الجماعات المعنية بالشأن الفني، وهم أفراد المجموعة الاجتماعية الذين تعزز اهتماماتهم عند تعريف تلك القطعة بأنها عمل فني” (3). وبهذا فإن مَن يؤكد العمل الفني هو الآتي:

  1. الجماعة الفنية التي تعطي للعمل الفني تعريفه بأنه قطعة فنية تحتوي على عمل فني يمكن أن يُصنف في مجال فني محدد، مثل المسرح، أو الخزف، أو اللوحة وغيرها.
  2. هذه الجماعة الفنية يمكن أن تُدرس على أنها جماعة تقع ضمن واقع اجتماعي ولها واقعها وانتماءاتها وأبعادها الاشتغالية من وجهة نظر اجتماعية.
  3. إنَّ هذه الجماعة في بعدها الاجتماعي وفي مجالها الفني بإمكانها أن تُعد حقلاً للدراسات الاجتماعية من جهة، واتخاذها مجالاً في تأكيد انتماء العمل الفني إلى الفن، أو ألا ينتمي للفن.

إنَّ الدراسات السوسيولوجية في تحديد مدى العلاقة بين الفن والمجتمع هي كثيرة ومتشعبة في آراء منظريها وعلمائها، ومنها:

  1. ما يدرس الفن باعتباره ظاهرة اجتماعية، وله طرائقه في إنتاج الفعل الفني المرتبط بالمجتمعات الإنسانية.
  2. ومنها: من يدرس التاريخ الإنساني على أساس ما حفلت به عدة مجالات ومنها الفن.
  3. وثالثة: ترى أن الفن هو ظاهرة سوسيولوجية لها أبعادها المستقلة عن العديد من الظواهر الاجتماعية إلا ما ارتبط بجانب ما، وقد يكون هذا الارتباط بعيداً عن الواقع الاجتماعي عامة، بل هو ارتباط بجماعة فنية خاصة.

لذا فإن العلاقة بين الفن والمجتمع يمكن أن تكون مباشرة، أو غير مباشرة، ويمكن أن تكون سطحية نسبة إلى طبيعة العمل الفني، أو يمكن أن تكون عميقة ولها أثر مهم في مجال اشتغالها الفعلي من خلال ما يقدمه الفن من عمق في التصورات والرؤى، وما ينتج عنه من رؤى جمالية تخدم البعد الإنساني والحضاري في المجتمعات.

الهوامش:

  1. ديفيد إنغليز، جون هغسون: سوسيولوجيا الفن، طرق للرؤية، ترجمة ليلى الموسوي، (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 2007)، ص 41.
  2. إيان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة: د. محمد حسين غلوم، (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 1999)، ص 28.
  3. ديفيد إنغليز، جون هغسون: المصدر نفسه، ص 32، ص 33.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *