أ.د. محمد كريم الساعدي

يُعدُّ (أفلاطون 428 ق.م – 347 ق.م) من أهم تلامذة (سقراط)، وقد تعلم على يديه الكثير من الممارسات الفلسفية، وخاصة بعد أن افتُتن بشخصية أستاذه وهو في العشرين من عمره، لما كان لـ(سقراط) من تأثيرٍ في الشباب في (أثينا)، وفي مقدمتهم (أفلاطون) الذي ينتمي إلى أسرة أرستقراطية يونانية.

أوجد (أفلاطون) فلسفة واسعة الملامح، نظَّر من خلالها في أنواع مختلفة من المعارف الإنسانية، وجاءت أغلب فلسفته على شكل محاورات قدَّم فيها منهجه الفلسفي الذي حاول فيه الابتعاد عن الأسلوب المباشر لأستاذه (سقراط) الذي أُعدم بسببه.

أراد (أفلاطون) من محاوراته أن يجمع فيها وجهات نظره على مر مراحل حياته؛ فمحاوراته لم تأتِ كلها دفعة واحدة، بل قدَّمها على ثلاث مراحل: الأولى في شبابه، والثانية في كهولته (بلوغه)، والثالثة في أيام عمره المتقدمة. وتتألف هذه المحاورات:

“من (28) حواراً، يتمتع اثنان منها بمقاييس مؤلَّف حقيقي (الجمهورية والقوانين)، ومن رسائل تروي السابعة والثامنة منها مغامرات (أفلاطون) السياسية في (صقلية). إنَّ الجمال الأدبي للحوارات التي تعكس شخصية (سقراط) وتتناولها، فضلاً عن تلامذته مثل (فيدون وثيئيتتوس)، وجنود مثل (لاشيه)، وسفسطائيين مثل (جورجياس)، حتى فلاسفة كبار مثل (بارمنيدس، وزينون، إلخ…) يتداخل مع الفكر الفلسفي، حيث إن طريقة الأسئلة والأجوبة هي الطريقة الوحيدة التي من شأنها أن تدفع المرء فعلاً إلى التفكير، فيسمح توجيه الأسئلة للإنسان بأن يلد فكرياً (هذا هو التوليد)، ويثير تضارب الآراء الاهتمام بالحقيقة (وهذه هي الجدلية)” (1).

وهذه المحاورات قد تضمنت من المعارف الفلسفية ما هو حافل بتوليد الأفكار وجدليتها مع حقيقة ما يهدف إليه (أفلاطون) في فلسفته. ولم تأتِ هذه الممارسات الفلسفية عنده من فراغ، بل من خلال عمل وتجارب خاضها وخبرها في الحياة، وأكسبها البعد التأملي الذي تميز به فلسفياً من خلال أفكاره في المعرفة، والمُثُل، والطبيعة، والوجود، والأخلاق، وغيرها من النظريات التي حاول جاهداً أن يبحثها ويصل من خلالها إلى مفاهيم وتطبيقات على المستويين النظري والعملي. وواحدة من هذه النظريات التي قدَّم لها (أفلاطون) ملامح فلسفية نظرية على وفق دراسة الأطر التطبيقية هي نظريته في الجمال، المنطلقة من نظريته في (المُثُل)؛ والأخيرة هي حقائق كلية ثابتة موجودة بالفعل وجوداً خارجياً، ومفارقاً، ومستقلاً عن الإنسان، وهي في الوقت ذاته مصدرٌ للمعرفة وعلة لها، مثلما هي مصدرٌ لوجود الأشياء في العالم المحسوس وعلة له.

إنَّ العلاقة بين عالم المثل والمحسوسات تتشكل على وفق ترتيب هرمي، ففي قاعدته:

“توجد الأشياء المحسوسة في مظهرها الخارجي، ثم تعلوها المعرفة العقلية المتصلة بالأفكار المادية، ثم الأفعال وأنواع السلوك والأحداث والحركات، بما لها من سمو عن الجسم، ثم تأتي بعد ذلك النفوس الحقة، وتتلوها ذوات الأجسام، ثم ذوات النفوس ذاتها التي تلي الأفعال، ثم تعلو هذه الذواتِ المعارفُ الخالصة النظرية العقلية، المجردة عن كل مضمون أخلاقي، وأخيراً تتربع الصور تتوجها المثل الرئيسية التي يسميها المحدثون بالقيم” (2).

إنَّ المُثُل الأفلاطونية ليست بظاهرة كالمحسوسات وجزئياتها في الواقع المرئي والمسموع كنظام حسي اشتغالي يتعامل معه الإنسان يومياً على أساس حاجاته وما يريد أن يكون عليه في ظاهر الأشياء المحسوسة، بل إن المثل هي نظام كلي يحتوي على جميع ما يمكن أن نتصوره من أشكال حسية متعددة في الواقع لنوع واحد؛ مثل الزهرة وصورها المختلفة والمتنوعة والمتعددة، التي تعود إلى حقيقة كلية لمفهوم الزهرة على الرغم من اختلافها الوجودي في نظر المشاهد.

وهنا نتساءل: ما الجمال؟ وما هي المعرفة الجمالية الأفلاطونية في هذا المجال؟ ونعيد الحديث عن الزهرة كما في المثال السابق فنطرح الافتراض الآتي:

“لو أن أحداً أجاب بأن علة الجمال في الزهرة هي شكلها، أو لونها، أو رائحتها، فإنه لا يعطينا سبباً لهذا الجمال؛ لأن الشكل، أو اللون، أو الرائحة قد تكون سبب قبح في أشياء أخرى غير الزهرة. إذن، فعلة الجمال في الأشياء ترجع إلى مثال الجمال وماهيته، ومن ثمَّ فالحقيقة تكمن في (المُثُل) وليس في المحسوسات التي تمثل الظاهر” (3).

إنَّ عالم المثل الأفلاطونية منظومة مفاهيمية مكونة من كليات الأشياء وصورها في الوجود المادي بجزئياته، واختلافاته، وأفراده في الحياة الطبيعية. ومن هذه النظرة قسَّم (أفلاطون) (المُثُل) إلى أنواع يدخل من ضمنها الجمال؛ فمثلاً تضم (المُثُل) الأفلاطونية -بالإضافة إلى الخير، والعدالة، والشجاعة، والعفة، والصبر، والكرم- الجمالَ الذي يأتي من ضمن هذا النوع من المثل، كما تأتي (مُثُل) الأشياء الجسمانية، ومنها الحصان، والإنسان، والشجرة، وغيرها من التجسيمات الظاهرة للعيان. ويضاف إلى هذه (المُثُل) الجسمانية (مُثُل) الصفات التي ترتبط بها؛ كالبياض، والسواد، والثقل، والحلاوة، والطول، والارتفاع وغيرها.

وهكذا يصنف (أفلاطون) (المُثُل) في هذه الأنواع وغيرها، ولكنه وضع الجمال ضمن (المُثُل) الأخلاقية التي ترتبط بجمال الأشياء وفاعليتها، ونعتقد بأنه يشير هنا إلى جمال آخر يرتبط بالقيم الإنسانية. وهذه (المُثُل) مجتمعةً تميزت بخصائص، ومنها على سبيل المثال خاصية (الجواهر)؛ أي أنها حقائق مطلقة ووجودها كلي في ذاتها، وأنها كلية وليست بجزئية. فهي -أي المُثُل- بجواهرها مطلقة، أي إن كل الأشياء تتوقف عليها باعتبارها من مبادئ الكون الأولى، فهي لا تقصد الإنسان بمسمى فردي (زيداً مثلاً)، بل تقصده بوصفه مفهوماً كلياً.

وهذه (المُثُل) تقوم على خاصية أخرى هي “الوحدة في الكثرة”؛ فمجموع الأسماء لأفراد المجتمع عادة ما تطلق على (مثال) واحد هو الإنسان، فكل أفراد المجتمع يرجعون إلى هذه الخاصية الإنسانية، وليس معنى هذه التعددية في الأسماء أن كل منهم يرجع إلى مثال إنسان مختلف، بل إلى مفهوم الإنسانية الذي يجمع كل أفراد المجتمعات في العالم. وهذا المفهوم ثابت غير فانٍ، ولكن من يفنى هو (زيد وعمرو) كأفراد جسمانية خاضعة لطبيعة الفناء.

وكل (مثال) هو ماهية للشيء ذاته في الوجود الخارجي، وهذا المثال يقع في دائرة الكمال، إضافة إلى عالم (المُثُل) الذي شكل الركيزة الأساسية في فلسفة (أفلاطون)، ومنها ما اختص بالجمال وكيفية توجيه الفلسفة الجمالية لديه ورؤيته لهذا العالم. فقد أضاف مفهوماً آخر يتصل بالنظرية الجمالية وهو مفهوم “المحاكاة” وعلاقته بالظاهرة الفنية في مجالاتها المختلفة؛ ومنها الموسيقى، والرسم، والنحت، والخطابة وغيرها من الفنون. وعلى الرغم من تشابه بعض الفنون، إلا أنها لا تلبي نظريته في (المُثُل)، بل إنها محاكاة خادعة، ويشبهها بفكرة السفسطائي في تناول مفهوم الإقناع للآخرين الذين يتأثرون بالأوهام وليس بالحقيقة، كما في محاورة (ثيئيتتوس والغريب) التالية:

“ثيئيتتوس: كلا، فإنك ذكرت صنفاً متشعباً جداً، ويكاد أن يكون أوفر الأصناف تلوناً، ضممت فيه وحده كل الفروع. الغريب: فنحن نعرف إذن، عمن يُعدُّ بأنه قادر بفن واحد أن يصنع كل شيء، هذه الحقيقة؛ وهي أنه يصطنع أشياء تحاكي الموجودات وتقلب باسمها بواسطة فن الرسم، وعندئذ إذ يبدي الرسوم من بعيد، يضحى قادراً أن يستغفل البلهاء من الفتية الأحداث ليوهمهم أنه ينجز ما يشاء وأنه على أتم القدرة أن يحقق ذلك في الواقع” (5).

إذن، يصبح الوهم الذي يقدمه فن الرسم شبيهاً بوهم السفسطائي الذي يوهم الشباب والفتية بجعل الأشياء التي يجمعها الرسام في إطار اللوحة قادراً على أن يحققها في الواقع، ومن هنا فإن (أفلاطون) قد جعل من هذا الفن مشابهاً وفكرةَ السفسطائي في الإقناع، وهي الفكرة التي يعارضها (أفلاطون) في فلسفته.

يقسم (أفلاطون) المحاكاة إلى نوعين في كتاب (السفسطائي) في المحاورة المستمرة ما بين (ثيئيتتوس والغريب)، يوضحهما في المحاكاة وكيفية النظر إلى الفنون من خلالهما، على اعتبار أن (أفلاطون) يعطي أسباب عدم تماشي طبيعة هذه الفنون مع نظريته في المحاكاة، كما في المحاورة التالية:

“الغريب: طبقاً لطريقتنا السالفة في التقسيم، يظهر لي الآن أيضاً أنني أرى نوعين في فن المحاكاة، إلا أنه يبدو لي أنني عاجز بعد، في الوقت الحاضر، عن معرفة النوع الذي تكمن فيه فكرتنا المنشودة. ثيئيتتوس: ولكن باشر أولاً، وفصّل لنا أي نوعين تعني. الغريب: أرى فيه من جهة، فناً أولاً هو فن النسخ. قوامه على الأخص أن ينجز المرء إحداث (النسخة) المحاكية، طبقاً لأقيسة المثال الملائمة طولاً وعرضاً وعمقاً. بالإضافة إلى هذا، أن يؤتي النسخةَ الألوانَ اللائقة في كل من تفاصيلها. ثيئيتتوس: ما بالك؟ ألا يسعى كل المقتدين إلى تحقيق هذا الأمر؟ الغريب: كلا، على الأقل أولئك الذين يصوغون أو يرسمون تماثيل أو لوحات كبيرة. لأنهم لو كانوا يعطون أعمالهم قياس النماذج البهية الحقيقي، لبدت أقسام تلك التماثيل أو اللوحات العليا أدق مما يجب، وظهرت الأقسام السفلى أضخم من اللازم، لأننا نرى الأولى عن بعد، ونرى الثانية عن كثب وأنت تعرف ذلك. ثيئيتتوس: فعلاً، الأمر على ما تقول بالضبط. الغريب: إذن، ألا يدع فنانونا الحقيقة ترتع تاركين إياها وشأنها ليسبغوا على تماثيلهم (المرسومة أو المصوغة والمنحوتة)، لا الأقيسة الحقيقية، بل أقيسة تبدو بهية؟ ثيئيتتوس: فعلاً قولك في غاية الصحة. الغريب: إذن ألسنا على حق إذا سمينا جزءاً (من هذا الإنتاج، إنتاج) نسخة أو صورة لأنه يصور ويماثل؟ ثيئيتتوس: أجل. الغريب: والشطر من فن المحاكاة القائم على هذا الأمر، ألا يجب أن ندعوه، على ما قلنا من قبل، فن النسخ؟ ثيئيتتوس: يجب أن ندعوه كذلك. الغريب: وما رأيك؟ ما يُتخيل للمرء أنه يماثل الجميل وينسخه، بسبب مشاهدته من موقع غير مناسب، إذا تمكن المرء أن يراه رؤية وافية، وحينئذ لا يعود لا نسخة ولا مثيلاً لما يقال إنه نسخة عنه، ماذا ندعوه؟ ألا نطلق عليه اسم الخيال، لأنه يظهر هذا المظهر، وهو لا يشبه المثال؟ ثيئيتتوس: لِمَ لا؟ الغريب: أليس هذا القسم متفشياً جداً في رسم الأحياء، وجملةً في فن المحاكاة؟ ثيئيتتوس: كيف لا؟ الغريب: والفن المنتج خيالاً، لا نسخة مصوّرة، ألا نسميه بكل صواب فن مخايلة؟ ثيئيتتوس: بكل صواب. الغريب: هذان إذن النوعان اللذان عنيت في فن المماثلة (أو المحاكاة): فن النسخ وفن المخايلة” (6).

في هذه المحاورة التي اخترناها دون أن نقطع منها شيئاً، تتضح فكرة (أفلاطون) حول مفهوم المحاكاة، والسبب الذي يجعله لا يتوافق مع الرسامين والنحاتين في اختيار قياسات النماذج في الرسم والنحت، مما يجعلها تبدو متفاوتة بين أجزائها العليا والسفلى. وتقع مشكلة كل من الرسام والنحات بين الضخامة في التصوير وبين الحقيقة التي لها قياساتها المحددة، وتُعد الأقيسة التي تبدو عليها أقيسةً بهيةً وليست حقيقية. وفي الأولى -أي الأقيسة البهية- تقع تحت فن المخايلة، بينما الأقيسة الحقيقية تقع تحت فن النسخ.

والجمال على وفق هذه الرؤية الأفلاطونية قد تحدد بناءً على المحاكاة بين نوعين منها بحسب هذه الأقيسة، وهما:

“المحاكاة السطحية، أي المعنى الشائع للمحاكاة. والنوع الثاني: فن بصير بمحاكاة مستنيرة، لأنها تنطوي على علم من يمارسها بما يجب عليه أن يحاكيه من (مُثل) للخير والحق والجمال، وهذه المحاكاة لا توجد إلا عند الفنان ذي الثقافة الفلسفية الواسعة” (7).

فالجمال على وفق مفهوم النوع الثاني من المحاكاة لا يأتي دون ممارسة جادة، واعية، ومعمقة للمعنى الخاص بالفن؛ فالفنان لا يمكن أن يكون ذا عقل واعٍ ما لم يكن في محاكاة فنه بطريقة عقلية تنتج الخير والحق والجمال. ولكن تبقى هنالك مشكلة مهمة عند الفنان بحسب الطريقة الأفلاطونية في المحاكاة: هل يستطيع أحد من الفنانين أن يصل إلى قيم الخير والحق والجمال ويحاكي المُثل الأفلاطونية بالطريقة التي حددها (أفلاطون) نفسه للفنان؟ أم أنه لا يوجد فنان بهذه المساحة المعرفية العقلية يكون قادراً على أن يصل إلى المحاكاة الأفلاطونية بفنه؟ وخصوصاً بعد أن جعل (أفلاطون) المحاكاة في النوع الثاني تعود بطريقة أو بأخرى إلى النوع الأول من الفن، أي أن (أفلاطون) أعاب على “محاكاة المحاكاة” بعد أن جعل المحاكاة الأولى صورة من عالم المُثل الكلي، واعتبر المحاكاة الثانية التي يقوم بها الفنان للطبيعة هي في الأصل سطحية وتشوه الصورة الأولى التي هي محاكاة لعالم المُثل في الأساس. وعلى الفنان الأفلاطوني أن يمتلك بصيرة عالية ومستنيرة قائمة على البعد الفلسفي الذي يوصله إلى الخير والحق والجمال، بحسب الجمال المطلق في عالمه المثالي.

يشرح (أفلاطون) في جمهوريته المثالية (في الكتاب العاشر) الفن والمحاكاة وعالم المثل، وينقد كل من يخرج عن سياقاته الجمالية التي تبناها في هذا الباب، و:

“يتحدث عن محبي النّظر والسّمع كيف يعجبون بالجميل من الأصوات والألوان والصور، ولكن يؤكد على عدم فهمهم كنه الجمال، فيضرب مثالاً بالمأساة عند (هوميروس) وينتقده وينتقد سامعيه لأنهم يؤمنون بما يقول، فهو بنظرهم يعرف كل شيء إنساني يتعلق بالفضيلة والرذيلة، بل والأشياء الإلهية إلى جانب معرفته لكل الفنون، لكنهم خُدعوا لأن ما يقدمه إنما هو أشباح لا حقائق. وكما نعلم أن الرجال بآثارهم العملية، لذلك فإن (هوميروس) وغيره من الشعراء مقلدون نسخوا صوراً خيالية في كل ما نظموا، فلم يلمسوا الحقيقة، ومن جملة ذلك نظمهم في الفضيلة” (8).

وهذا النقد للشعراء، ومن ضمنهم الشاعر الملحمي (هوميروس)، لم يأتِ من طبيعة صياغات العمل الفني الشعري لديهم، بل إن الصيغة التي قدمها (أفلاطون) للفن ومحاكاته لا تنطبق على هذه الأعمال الشعرية بمختلف أنواعها وأجناسها؛ كالشعر الملحمي، أو التمثيلي، أو الوجداني، كون الشعراء لا يطلبون من وراء أشعارهم الحقيقة، بل هم يبحثون عن الخيال في صورهم الشعرية، والخيال يبعد الشاعر والمتلقي معاً عن الحقيقة التي هي في الأصل نابعة من الحق والخير والجمال. فالجمال لا يأتي إلا من خلال عالم المُثل، وشعر (هوميروس) الملحمي يشبهه (أفلاطون) بالأشباح لا بالحقائق المرجوة التي يطلبها في عالمه المثالي.

وهذه الحقيقة التي يسعى إليها (أفلاطون) في فلسفته متوفرة في نوع آخر من الفنون وهي الموسيقى، ونظريته:

“في الموسيقى مبنية على التراث الفيثاغوري، إذ ترى أن في الموسيقى طريقاً لتطهير النفس وتهذيبها، ويمكن بها علاجها النفسي. وقد بيّن (أفلاطون) عناصر مكونات الموسيقى الثلاثة وهي: اللفظ، والائتلاف، والإيقاع، وربط بينها وبين الحقيقة التي تحاكيها في نفس الإنسان، ويرى أن الموسيقى يجب أن تعبر عن الجمال والحقيقة في صورة سهلة حتى يقنع بها العقل. ويجب أن تكون غايتها وهدفها الجمال، لا أن تتجه إلى بعث اللذة الاستاطيقية (الجمالية)، فلها هدف أسمى من ذلك هو التأثير في النفس بحيث تكسبها ائتلافاً من أجل تحقيق الخير” (9).

إنَّ اللذة الجمالية التي تقوم على إمتاع الفرد دون أن تكسب النفس البشرية طاقة من أجل تحقيق الخير هي لذة مرفوضة، كونها تبعد الإنسان عن الجمال الحقيقي؛ هذا الجمال القائم على بعث الخير في النفس لا جذبها نحو متعة آنية تنتهي بهذه النفس إلى عوالم أخرى غير عالم جمال المثل الأفلاطونية، ويكون لطبيعة ونوعية الفن علاقة بالأثر النفسي نحو الخير والحق والجمال.

ومن جهة ثانية، يربط (أفلاطون) في محاورته (ثيئيتتوس) بين الأحرف الأبجدية والموسيقى من خلال (برهان اختبار الأحرف الأبجدية والموسيقى) الذي يريد أن يبرهن عبره أن الموسيقى تعبر عن الصدق في الأمور الواقعية على وفق مبدأ أهميتها في التعلم، وهذا المبدأ الجمالي يستخدمه (أفلاطون) في هذا المجال، بحسب المحاورة التي تقع بين (سقراط) و(ثيئيتتوس):

“سقراط: فما بالك مرة أخرى؟ ألا تقبل تقبلاً أفضل، قولاً مناقضاً لقول المدّعي هذا، مما تعيه وتشعر به أنت نفسك في تعلّم الأحرف؟ ثيئيتتوس: أي قول؟ سقراط: إنك ما فتئت لا تتعلم سوى العناصر، محاولاً أن تتبين كل عنصر في حد ذاته وتتعرف عليه بالبصر والسمع، كي لا يحملك وضعه بين العناصر الأخرى المنطوق بها والمكتوبة، على القلق والاضطراب. ثيئيتتوس: تعبّر عن أصدق الأمور وأكثرها واقعية. سقراط: وفي تعلم عازف القيثارة تعلماً كاملاً، هل وُجد عمل ما آخر سوى قدرته على تتبع كل نغم ومعرفته عن أي وتر يصدر؟ وكل امرئ قد يعترف أن هذه الأنغام هي عناصر الموسيقى. ثيئيتتوس: لم يقدم على أي عمل آخر. سقراط: بناء على العناصر إذن والمقاطع هذه، نحن بها خبيرون، إن وجب أن نستدل على الأمور الأخرى، ففي وسعنا أن نصرح أن جنس العناصر قد أحرز قدر تبيانٍ أوضح من المقطع بكثير وأرسخ وأوفر أصالة، لاقتناء كل فرع من المعرفة اقتناء تاماً. وإن ادعى أحد أن المقطع معلوم بالطبع، وأن العنصر من طبعه غير معلوم، ففي إمكاننا الاعتقاد أنه يمزح طائعاً أو مكرهاً. ثيئيتتوس: كلامك دقيق متقن في الواقع” (10).

يعتقد (أفلاطون) بمدى أهمية الموسيقى في إثبات البرهان الاختباري كونها تدخل في تبيان حقائق عن طبيعة النفس في التعلم والتفريق بين الأشياء، كما في المثال الذي ضربه في المحاورة بعازف القيثارة والتعلم الكامل من خلال القدرة النفسية على تتبع كل نغم ومعرفته عن أي وتر يصدر. وهذا التتبع يعطي الاعتراف بأن هذه الأنغام تعود لعناصر الموسيقى دون غيرها من العناصر، للوصول إلى المبدأ الجمالي الأفلاطوني المتمثل بمعرفة الحقيقة عن طريق هذا الفن.

وهنا نعود إلى المقارنة بين الشعر والموسيقى لدى (أفلاطون)، بالتساؤلات الآتية: لماذا لا يوصل الشعر النفسَ إلى الخير والحق عند (أفلاطون)؟ يعتقد (أفلاطون) بأنه يقربها أكثر إلى الصور الخيالية الخداعة، ويبعدها عن الجمال الحقيقي. بينما يعتقد أن الموسيقى تأخذ النفس البشرية إلى الجمال وتكسبها ائتلافاً يقودها إليه. كما يعتقد أن للمحاكاة علاقة أيضاً في إبعاد النفس عن الحق والخير والجمال كما هو الحال في فن التصوير (الرسم)، فالتصوير عند (أفلاطون):

“يرمي إلى تقليد الطبيعة الظاهرة، وهو مخادع لأنه يصف الواقع ويحاكيه ولا يقدم ابتكاراً، ويأخذ بفن المنظور والخداع البصري والبراعة في استخدام الألوان؛ فالأشياء كما نعلم تظهر لنا مختلفة الحجم لبعدها عن عيوننا” (11).

إذن، فالجمال الأفلاطوني ما هو إلا فكرة تتكون:

“بإدراج ما هو مشترك في الأشياء الجميلة واستبعاد النقاط التي تختلف عن الجمال، وهذا هو بالضبط ما نعنيه بالمفهوم، ولذلك تقوم نظرية (أفلاطون) على أن المفاهيم هي حقائق موضوعية ويطلق عليها (…) المُثل، وتفسر جوابه الفلسفي على أنها تلك الحقيقة المطلقة والقصوى التي يمكن أن تفسر كل الأشياء الأخرى. فهذه النهضة في النفس تحصل بالدرس الذي يرمي إلى اجتذاب العقل من الحسيّات إلى اليقينيات، ومن المنظورات إلى غير المنظورات والأبديات، وكل ما يثير العقل إلى التفكير في طبيعة الأشياء الجوهرية يؤدي إلى إحراز النتيجة نفسها” (12).

إنَّ عالم المُثل عالم عقلي، وإن الخير والحق والجمال ينتمون إلى هذا العالم بوصفهم حقائق يبحث عنها (أفلاطون) في سياقاته المفضلة ودروب العقل التي يجب أن يجعل منها الدروب السالكة لهذه القيم العليا في عالم مُثُله. وما الفنون سوى أدوات قد تحاكي الأشياء بسطحية وتبعد المُحاكي عن الجمال الحقيقي، أو قد تحاكي القيم العليا وتوصل المُحاكي والنفس البشرية إلى عالم الحقيقة وهو عالم المُثل الأفلاطونية؛ ولكن ليست كل الفنون تنتمي إلى عالم المُثل في محاكاتها، ويتم التعامل مع هذه الفنون على مدى انتمائها إلى الجمال الأفلاطوني على وفق مفهوم المُثل والمحاكاة لديه.

الهوامش:

  1. ديديه جوليا: معجم الفلاسفة والمصطلحات الفلسفيْة، بيروت: دار المؤلف للنشر والطباعة والتوزيع، 2016، ص 19، ص20.
  2. د. راوية عبد المنعم عباس: القيم الجمالية، القاهرة: دار المعرفة الجامعية، 1987، ص 43.
  3. محمد جديدي: الفلسفة الإغريقية، الجزائر: منشورات الاختلاف، 2009، ص281.
  4. نفسه، ص281.
  5. أفلاطون: السفسطائي، ترجمة: الأب فؤاد جرجي بربارة، دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2014، ص102، ص103.
  6. نفسه، ص 105، ص107.
  7. د. إنصاف جميل الربضي: علم الجمال بين الفلسفة والإبداع، عمان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995، ص26.
  8. نفسه، ص55.
  9. نفسه، ص27، ص28.
  10. أفلاطون: الثيئيتتس، ترجمة: الأب فؤاد جرجي بربارة، دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2013، ص 217، ص218.
  11. د. غادة المقدم عذره: فلسفة النظريات الجمالية، بيروت: جروس برس، 1996، ص55، ص56.
  12. نفسه، ص 53.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *