
أ.د. محمد كريم الساعدي
إنَّ الأعمال المسرحية اليونانية القديمة التي نظّر لها الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس في كتابه (فن الشعر)، والذي دوّن فيه أهم الخصائص المسرحية الخاصة بالمأساة والملهاة وغيرها من فنون الشعر، إذ كان “لليونان أدبٌ عالٍ تأثر به الرومان وقلدوه، وعُرف أدب هاتين الأمتين – فيما بعد – بالقديم والكلاسيكي، وتنكرت القرون المتوسطة بقيادة الكنيسة لهذا الأدب لأنه يقوم على الوثنية. ولكنها لم توجد البديل والتزمت اللغة اللاتينية وهي لغة غريبة عن اللهجات المحلية ولا يعرفها إلا القلة المثقفة، ثم إنها – أي الكنيسة – وقد بدأت تؤلف المسرحيات، لم يكن لمؤلفاتها حظ من الإبداع وسعة المدى” (1) التي حصلت عليها المسرحيات اليونانية، وركزت هذا المفهوم لقوتها اللغوية وجزالتها الشعرية وإبداعها في ابتكار فن جديد أصبح من الفنون التي اهتمت بها الأمم الأخرى. “ومن جراء تطور هذه الدعوة وسيرها المستمر أن ساد في فرنسا، في القرن السابع عشر عصر لويس الرابع عشر، أدب جديد قياساً إلى الأدب القديم اليوناني-الروماني عُرف فيما بعد بالأدب الكلاسيكي الجديد، ثم اختصرت كلمة الجديد وعُرف بالأدب الكلاسيكي كأنه صار أهلاً للدراسة كما كان الكلاسيكي الأول، وعُرف المذهب الذي يقوم عليه الأدب الجديد خلال القرن السابع عشر من تاريخ فرنسا بالكلاسيكية” (2)؛ لذلك فإنَّ لفظة الكلاسيكية بشقيها القديم والجديد تطلق على المسرحية اليونانية والرومانية، وكذلك على المسرحية في فرنسا في القرن السابع عشر. وهذه المسرحية في كلتا الفترتين تحمل الخصائص الفنية والاشتراطات الدرامية نفسها التي قامت عليها المسرحية عند اليونان وكما نظّر لها أرسطو. أي إنَّ “الكلاسيكية في صفاتها العامة تشمل أنواع الأدب الإنساني المختلفة، ولكنها في مجموع مبادئها تظهر أبرز مما تظهر في المسرحية، وفي التراجيديا على وجه الخصوص، وفي اشتراط الوحدات الثلاث الزمان، المكان، والحدث المنسوبة إلى أرسطو” (3).
إذن، ماذا يتناول كتاب (فن الشعر) لمؤلفه أرسطو وخاصة في موضوعة المسرح والكتابة المسرحية؟ إذ “يُعدّ من الأوائل الذين اهتموا بالدراما وعناصرها، وكذلك يُعدّ من الأوائل الذين أشاروا إلى المحاكاة لأنها أمر فطري موجود عند الناس منذ الصغر، والإنسان يفترق عن سائر الأحياء بأنه أكثرها محاكاة وأنه يتعلم بطريقة المحاكاة” (4) التي تظهر صورته أمام المشاهد. هذه العملية التعليمية وما تشير إليه من متغيرات توضح تشكلاته في الحياة الاجتماعية، نتيجة لهذه الصور المقدمة أمام المتلقين له.
لذلك فإنَّ الشخصية التي تتكون نتيجة هذه المحاكاة ويستفيد منها الإنسان في الواقع من الممكن أن تُوظّف في الشخصيات الدرامية إذا أراد المؤلف أن يحاكيها ويقدمها بوصفها تمثل واقعاً ملموساً له دوره في إنتاج ثقافة معينة؛ لذلك فإنَّ المحاكاة عند اليونان أسهمت في تطوير الفنون ومن ضمنها المسرح، الذي أنتج الشخصيات الدرامية اليونانية بمختلف مسمياتها المأساوية أو الكوميدية. ومن هنا فإنَّ أرسطو يشير إلى هذه الخاصية بقوله: “لما كان المحاكون إنما يحاكون أفعالاً، أصحابها هم بالضرورة إما أخيار أو أشرار؛ لأن اختلاف الأخلاق يكاد ينحصر في هاتين الطبقتين، إذ تختلف أخلاق الناس جميعاً بالرذيلة والفضيلة، فإنَّ الشعراء يحاكون إما من هم أفضل منا، أو أسوأ، أو مساوون لنا، شأنهم شأن الرسامين” (5) الذين يقدّمين صورةً من محاكاة نماذج من الحياة العامة تقع في هذه المستويات الثلاثة التي أشار إليها أرسطو وهي: الأعلى، أو الأدنى، أو المتساوي، يحاكيها من صور الشخصيات الإنسانية التي انطلقت في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد بمجموعة من الأعمال المسرحية لعدد من كتاب المسرح الإغريقي والذين تطورت على أيديهم. فالدراما “اليونانية كما نعرفها والتي تطورت حديثاً نسبياً، ظهرت بعد أن كان لدى اليونان تراث ممتد وثري من الشعر الملحمي والغنائي وغيره من الشعر غير الدرامي، كانت الدراما جوهرياً إبداعاً لأثينا الكلاسيكية، كان كل كتاب المسرح الذين اعتبرت أعمالهم من الكلاسيكيات لاحقاً نشيطين في أثينا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد زمن الديمقراطية الأثينية، ويعود تاريخ كل المسرحيات عبر الزمن إلى تلك الفترة” (6) التي جسدت صورة الإنسان في المسرح الإغريقي، ومن بينها مسرحيات الثلاثي أسخيلوس، وسوفوكليس، ويوريبيدس.
إنَّ ما يميز المسرح الإغريقي درامياً أنَّ موضوعاته قد تناولت حكايات متنوعة ومتغيرة عن بعضها البعض ومختلفة من كاتب إلى آخر، حسب اعتقاداته ورؤيته لطبيعة تكوين الصورة الدرامية في هذه المسرحيات؛ لذلك فقد تميزت المسرحية اليونانية بالآتي:
- إنَّ المسرحية اليونانية تعود نشأتها وجذورها إلى المجال الديني الطقسي المستمد من العبادات اليونانية القديمة وهي قائمة على المحاكاة، وهي المصدر الرئيس والخاصية ذات التركيز على الأفعال النبيلة التامة المستمدة بعضها من هذه الجذور الدينية ودورها في بلورة الحدث الدرامي الذي شكل بدوره صورة البطولة في النص المسرحي الإغريقي.
- إنَّ المسرحية اليونانية ذات أثر وعظي وتأثير يوضح أهمية الجانب الطقسي الديني أمام مصير الإنسان والصراع المتبادل على الظهور في صورة الصراع الدرامي في المسرح الإغريقي.
- تميزت المسرحية اليونانية بالتركيز على عنصر التطهير من أجل خلق جو من الترتيب والحضور بعيداً عن مشاهد الدماء أمام الجمهور لإيصال صورة من مصير البطل الدرامي، وأنَّ الشخصية الدرامية فيها دائماً تسير نحو مصيرها وبفعل القدرية.
- تميزت المسرحية اليونانية بأنَّ الشخصية الدرامية المقدمة تدور في فلك نظام من الأخلاق والتي عدّها أرسطو شرطاً أساسياً في الكتابة الدرامية، وتُقدّم بأسلوب الشعر (7).
هذه الميزات في المسرح الإغريقي ساعدت على إيجاد صيغ درامية تُقدّم من خلالها الشخصية في موضوعات تهتم بجانب بناء صورة الإنسان في المسرحية وكيفية الظهور الدرامي في المسرح عند اليونان، ولكن هل إنَّ الصورة تأتي بشكل واحد بين صورتي الإنسان بجنسيه الرجل والمرأة عند أرسطو في كتابه (فن الشعر)؟ أم أنَّ أرسطو يعطي هذه الصفة فقط للرجل على حساب المرأة في مجال الفن الدرامي الإغريقي بدءاً من الأخلاق التي تحكم تصرفات الشخصية الدرامية في مآسي اليونان؟.
إنَّ “الأخلاق عند أرسطو تختلف عند الرجل وعند المرأة وفي الصغير والكبير، ثم من الأخلاق ما هو فطري وما هو مكتسب، ونزوع الشخص إلى خصائص بعينها يصبح طابعاً يميزه عن غيره من شخصيات المسرحية، ويجب أن تتوافر في شخصية البطل أربع سمات أهمها: النبل الذي يجعلنا نرثى له ونعجب به، ثم انسجام صفاته المكتسبة مع خلقه الفطري، والتشابه بينه وبين ما ترويه المأساة عنه، ثم التمسك والإصرار. وينصح أرسطو مؤلفي المآسي بأن لا يقعوا في تصوير العواطف” (8). إنَّ الاختلاف الذي ينبه إليه أرسطو بين الرجل والمرأة في الأخلاق والدور الذي يقومان به بحسب النص الدرامي، يرجعه إلى الخطأ الذي تمارسه المرأة في تشكيل العقدة المسرحية.
وهذا الخطأ في شخصية البطلة أو البطل، جاء نتيجة فهم أرسطو لأحداث المآسي اليونانية التي قد يكون الدور المسرحي في النص مأخوذاً في موضوعاته من بعض الأساطير اليونانية، و”أرسطو يقول: إنَّ هذا البطل ينتقل من السعادة إلى الشقاء.. ويقول: إنَّ هذا الانتقال لا يكون سببه أن البطل شرير أو سيئ الخلق، لأنه لو كان كذلك لما أثار فينا مشاعر الرأفة به والعطف عليه، وكذلك يجب أن لا يكون الانتقال من السعادة إلى الشقاوة من حظ الشخص الطيب الخالي من النقص، لأن هذا لو حدث لا يثير فينا إلا الإحساس بالدهشة، وأرسطو يرى أن بطل المأساة لابد أن يكون وسطاً بين هاتين الحالتين، فيكون فيه جانب الخير وجانب الشر، وهو الذي يجلب على نفسه الشقاوة بخطئه وسوء أحكامه” (9). وهذا ما استقاه من قراءته لدراما الإغريق في مسرحيات مثل (الثلاثية الأورستية) وشخصية المرأة الإنسانية التي تمثلت بدور حملت معه بسوء سلوكها وتصرفاتها ما تمثل في دراما إغريقية تبين دورها وأفعالها التي رفضتها فلسفة أرسطو، لكون المرأة حسب رأي أرسطو ليس لها الحق في القيادة أو تقرير مصيرها حتى وإن كانت صائبة في رأيها.
إنَّ المسرحية الإغريقية قسمها أرسطو إلى عدة عناصر وهي: “الحبكة، والشخصية، واللغة، والفكرة، والمرئيات المسرحية، والغناء. وتشكل هذه العناصر في مجموعها وحدة متكاملة لا تكاد تنفك عن بعضها البعض فلا وجود لأحد بمعزل عن الآخر (…) والشخصية أو الأخلاق هي التي تدل على الجانب الأخلاقي الذي يصدر عن الشخصية ويحدد نوع إرادتها ومقدراتها الفعلية” (10) في تطبيق هذه الأفعال في العمل الدرامي.
وتُعدّ الشخصية هي الصورة الدرامية التي توضح جانب التشكلات في الدور الإنساني التي تبرزها الأفعال التي تقوم بها الشخصية المسرحية على مستوى النص المسرحي عند الإغريق، وبيّن أرسطو من خلال كتابه (فن الشعر) هذه التشكلات الإنسانية في فقرة الأخلاق، ويقول إنَّ العادات التي هي جزء من الأخلاق فإنها تأتي على أربعة تصورات:
- أن تكون العادات تؤثر بالفعل الدرامي في الاعتقاد، أي تكون حال كل واحد من هذه العادات.
- ذلك الذي يصلح، وأنَّ العادة التي هي للرجل قد توجد إلا أنها لا تصلح للمرأة، ولا أيضاً أن تُرى فيها البتة.
- الشبيه بذلك: أنَّ الذي له العادة غير ذلك الذي له عادة جيدة إن كان يصلح أن يفعل أيضاً كما تقدّم فقيل.
- وأما الرابعة فذاك المتساوي، وذلك أنه إذا كان إنسان مما يأتي التشبيه والمحاكاة سادياً (11).
إنَّ هذه العادات التي يرى فيها أرسطو أربعة مسارات تعطي الصورة الملائمة للشخصية الدرامية، وهي التي تقوم على تحديد معين للأخلاق والصفات التي تنطبق على جنس دون آخر كما في النقطة الثانية التي يميز بها بين الجنسين، حتى وإن كانت داخلة ضمن صفات الدور الذي تمارسه النساء في حال أقدمت المرأة على ممارسة هذا الدور.
الهوامش:
- علي جواد الطاهر، الخلاصة في مذاهب الأدب العربي، ط1، بيروت: دار الرائد العربي، 1984، ص 13.
- نفسه، ص 14.
- نفسه، ص 16.
- جبار عودة العبيدي، ود. صلاح مهدي القصب، مدخل في الدراما وتدرجها التاريخي، صنعاء: دار الفتح للنشر والتوزيع، 1992، ص 6.
- أرسطوطاليس، فن الشعر، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، بيروت: دار الثقافة، 1973، ص 7، ص 8.
- مارتن بانم، موسوعة المسرح، المجلد الثالث، ترجمة: محمود كامل، علي الغفاري، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018، ص 247.
- ينظر: د. جبار عودة العبيدي، ود. صلاح مهدي القصب، مصدر سابق، ص 14-15.
- دريني خشبة، أشهر المذاهب المسرحية، القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، الإدارة العامة للثقافة، (ب. ت)، ص 6.
- نفسه، ص 8.
- باسم الهاشمي، الخصائص التأليفية في الدراما، دمشق: أفكار للدراسات والنشر والتوزيع، البصرة: دار الفنون والآداب، 2018، ص 19، ص 20.
- ينظر: أرسطوطاليس، مصدر سابق، ص 115