يرى أرسطو أن علاقة الذاكرة بوصفها مفهوماً تعمل على حفظ الصور واستدعائها؛ إذ قدم في مؤلفه (De memoria et reminiscentia) على أن الذاكرة تعمل على جعل الصور مرئية ومحسوسة وحاضرة في أغلب الأحيان، على الرغم من أنها لم تجسد فعلياً في الحاضر، لكنها تدخل في تدعيم الأحداث الحاضرة، والتي تتطلب معنى يدعم حقيقتها، أو يدلك على شيء معين يراد تأكيده أو نفيه، إذا استدعينا ما يعارضه وينفيه. لذلك فإن أرسطو يرى في هذا الخصوص بأن كل شيء يسير وفق التداعيات، فكل ذكرى تستدعي الأخرى، وصورة شيء تجذب إليها صورة أخرى، عندما تقوم بين الطرفين علاقة تشابه وتعارض أو تجاوز للمواقف التي يراد تجاوزها.

وهنا نؤكد في كتابنا على مفهوم التشابه واستدعاء الصور من الذاكرة، إذا تم التشابه على أساس تحفيز ما في الذاكرة من صور تجذب إليها صوراً أخرى تؤكد هذا الموضوع أو ذاك، لذلك فإن جزءاً مهماً من التحفيز هو ما يتم تأكيده من أحداث مؤيدة للأفكار والطروحات العامة، التي تنسحب إلى تثبيت الأشياء في الذاكرة الجمعية وتأكيدها من خلال التاريخ المكتوب أو المروي عن أحداث الماضي، والمسير في اتجاه معين من قبل القائمين على رسم ملامح مرحلة من المراحل.

فما أكثر ما تحفل به الذاكرة الجماعية للشعوب من صور عن لحظات مهمة في تاريخها، ولكن الفرق بين شعب وآخر؛ فبعضها مازال يتغنى بهذا الماضي وصوره المدونة في التاريخ والمحفوظة في الذاكرة، لكنه لم يحاول استيعابها في التقدم نحو مستقبل أفضل وبناء دولة قائمة على رسم سياسات واضحة داخلياً لشعوبها، وخارجياً في رسم ملامح سياستها مع الدول الأخرى، بل فقط استلهموا من الماضي وصوره وما حفظته ذاكرتهم من الأشياء السلبية التي تكرس الديكتاتوريات والأنظمة القمعية. بينما الآخر الغربي وظف تاريخه جيداً وصور هذا التاريخ في رسم ملامح المستقبل لنا نحن أبناء الشرق والشرق الأوسط وديانته الإسلامية، ووضع لنا آلاف الفخاخ والثغرات في تاريخنا، وصوّر لنا في ذاكرة أبنائه ما هو غير سليم وفق نظام مشوه وملامح غير قابلة للتعديل، ودعمها بصور مختلفة عن ماضينا وحاضرنا، ويحظر استخدامها في المستقبل.

ونحن نقول دائماً: انظروا، الغرب على حق، والغرب هو من يتقدم، وهو من يستغل الإمكانيات ويطورها، وهو من يمدنا بمختلف أنواع التقنيات والأسلحة التي نتقاتل بها فيما بيننا، وهو من يؤيد طرفاً على طرف آخر في أمتنا، مما جعلنا نقع في دائرة التاريخ الذي يحمل صور انغلاقه على نفسه دون تقدم في ذلك، من خلال توظيف التجارب السابقة في الحاضر والمستقبل.

في كلا الجانبين، يبقى من يستثمر الفرص والتخطيط المستقبلي هو من يأخذ قصب السبق في مجال التقدم الحضاري والإنساني، لكن يبقى أن لا نلغي الآخر في هذا السباق الحضاري، بل يجب أن نتكامل في بناء المشروع الإنساني. لكن عملية التكامل مرهونة بمدى استعداد المركز في تقبل الهامش، أو استقبال الآخر على أساس أنه شريك في البناء الإنساني، ولا يجعل عملية الخلاف من أجل قيادة الركب العالمي تتطلب وجود أمم متنافسة تعمل على استغلال الآخر.

وهنا بدأت آليات الاستفادة من البنى التاريخية والأحداث الماضية في التعبير عن ما يراد أن يُرسم في المستقبل لخارطة الحضارة العالمية، لذلك فإن للصور في الذاكرة الجمعية وتوجيه الجموع نحو هدف معين من الاستغلال الثقافي للآخر؛ كان لابد من أن تكون ذاكرة الجموع قابلة لتأكيد الأحداث الماضية واستخدامها في الحاضر والمستقبل لتأكيد التفوق والتقدم نحو الأمام، حتى وإن كلفت هذه العملية وآلياتها تأسيس المؤسسات وبناء الأفكار وتكوين نظام عالمي ظاهره حسن وقائم على التطور والتقنيات، ولكن باطنه قائم على أفكار ترسخ قدم التفوق لجهة على حساب الأخرى.

ولهذا التفوق استمرارية في تأكيد أن الآخر -وخصوصاً الأكثر منافسة في السابق- سيبتعد عن دائرة الحضارة والإنسانية، كما يحصل الآن مع الشعوب العربية التي يراها المجتمع الغربي بأنها غير متحضرة وغير قابلة للاندماج، حتى لو أرادت التعديل من واقعها في دائرة الحضارة الإنسانية.

إذن، فإن أهمية دور الصور الذاكرية في ذهنية الشعوب الغربية على وقائع لها أهمية في تشكيل الوعي لديها، وتحولها فيما بعد في اللاوعي واللاشعور الجمعي. وهنا يشير (كارل غ. يونغ) في كتابه (الإنسان ورموزه، وسيكولوجيا العقل الباطن) إلى الوقائع ودورها في رسم القادم الذي يدخل فيه اللاشعور في توجيه أفكارنا اللاحقة، وهو ما ينطبق على ظاهرة استخدام الصور في تحفيز الذاكرة الجمعية ودورها في الحاضر والمستقبل بقوله:

“ثمة بعض الوقائع التي لا نلاحظها بعقلنا الواعي، أي بعبارات أخرى تظل دون عتبة الوعي. إنها تحدث، لكننا نتمثلها على نحو لاشعوري، أي بغير عقلنا الواعي، ويمكننا أن نصبح واعين لأحداث كهذه لحظة الحدث فقط أو من خلال عملية التفكير العميق الذي يؤدي إلى إدراك لاحق بأنها لابد وأن تكون قد حدثت. وعلى الرغم من أننا قد نتجاهل بالأصل الأهمية العاطفية والحيوية إلا أنها تنبثق من اللاشعور كنوع من الأفكار اللاحقة التي تسهم في صياغة المواقف اللاحقة”.

وهذا ما أريد أن تكون عليه الذاكرة الجماعية للشعوب الغربية في تحفيز ما يراد تحفيزه من صور في مواقف معينة ضد حضارة الآخر وثقافته، وحتى ما يتعلق بمعتقداته وعاداته وتقاليده وغيرها مما تشكل البوتقة الحضارية التي تقوم عليها منظومته الفكرية والمعرفية، من أجل حرفها في عقول وأذهان أبناء المؤسسة الغربية.

ومن هنا تأتي حقيقة رسم الحضور الميتافيزيقي وتأكيده بمجموعة من الثنائيات بين (الأنا الغربية) وبين (الآخر) سواء أكان شرقيّاً، أو أفريقيّاً، أو أمريكيّاً لاتينيّاً وغيرها. وعندما يُذكر أحد هؤلاء الآخرين المغايرين ثقافياً، تأتي هذه الثنائيات المحفورة في اللاوعي الجمعي واللاشعور حتى تنتقل إلى الإدراك المشترك بأن هذه الثنائيات هي عين الحقيقة وحدثت بالفعل في مسيرة التاريخ الذي يؤكدها، والتي تنبثق من اللاشعور إلى الشعور في تأكيد المواقف والأفكار القادمة ضد المغاير للذاكرة المشتركة وصورها الموظفة بطريقة تخدم الأهداف العليا في الحضور الميتافيزيقي للعقل الغربي.

عرض أقل