
والمنشور في مجلة الجمان وعدد من المواقع الأخرى، هي:
١. موقع صحيفة المثقف.
٢. موقع الحوار المتمدن.
٣. أنطولوجيا السرد العربي.
٤. المجلة الثقافية الجزائرية.
٥. موقع مدارات ثقافية.
٦. موقع Academia الأمريكي.
٧. موقع الدراسات العلمانية.
٨. موقع الشهيد الخامس.
٩. صحيفة أوروك.
١٠. موقع الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي.
قراءةٌ ثقافيةٌ في: تبريراتِ الوجودِ
الكولونياليةُ الغربيةُ والحاضناتُ الثلاثُ لنشأةِ الكيانِ الإسرائيلي/ الجزء الثالث
بقلم : أ . د. محمد كريم الساعدي / العراق
أولاً: الحاضنةُ البريطانيةُ
عمِلَ الانتدابُ البريطاني على فلسطينَ بعد الحربِ العالميةِ الأولى على إيجادِ مساحةٍ مهمةٍ لليهودِ؛ من أجلِ تحقيقِ حلمِهم الكبيرِ في الهجرةِ إلى فلسطينَ أولاً، وتحقيقِ غايتِهم المهمةِ في إنشاءِ دولتِهم المفترضةِ المنصوصِ عليها في الاتفاقاتِ التي تمّتْ مع الاستعمارِ البريطاني. ومن هذا المشروعِ ذي التصوراتِ الكولونيالية في المنطقةِ، عملتْ بريطانيا على ترسيخِ مفاهيمَ عديدةٍ عن تاريخيةِ إسرائيلَ وحقوقِ “الشعبِ اليهودي” في المنطقةِ، وعلى هذا الأساسِ انتعشتْ “آمالُ الحركةِ الصهيونيةِ بإمكانيةِ تحقيقِ الوطنِ القومي الموعودِ، وعملتْ سلطاتُ الانتدابِ جاهدةً على تسهيلِ الهجرةِ اليهوديةِ، لتوسعةِ مجتمعِ (اليشوف) -اليهودُ المستوطنون- في فلسطينَ، كما ساعدتْ في نشوءِ الميليشياتِ الصهيونيةِ المسلحةِ، وأمدّتْها بالخبراتِ والتدريبِ والسلاحِ، في مقابلِ التضييقِ الخانقِ على الفلسطينيين ومنعِهم من تطويرِ قدراتِهم القتاليةِ للذودِ عن بيوتِهم وأرضِهم”(1).
وهذه الممارساتُ التي عَمِلَ عليها الاستعمارُ البريطاني وحاولَ تطبيقَها بصورةٍ عامةٍ، أسهمتْ أيضاً في العملِ على ممارساتٍ أخرى تصبُّ في مصلحةِ اليهودِ وفي السياقِ نفسِهِ؛ أي أن هذا الاستعمارَ عَمِلَ قبل ستةِ أشهرٍ من انسحابِ قواتِهِ عامَ (1948) على إجلاءِ قواتِهِ من المناطقِ التي تتواجدُ فيها الميليشياتُ اليهوديةُ، وجَعْلِ كلِّ ما في المعسكراتِ من ذخيرةٍ وعتادٍ لصالحِ المشروعِ الصهيوني، وتهيّأَ ميناءُ حيفا لاستقبالِ اليهودِ المهاجرين، وكذلك من أجلِ جَعْلِ هذا الميناءِ بوابةً حقيقيةً لتزويدِ الجماعاتِ المسلحةِ اليهوديةِ بكلِّ ما تريدُهُ من أجلِ إخضاعِ الآخرِ الفلسطيني لسيطرةِ هذه الجماعاتِ(2).
لذا يمكنُ أن نستنتجَ دورَ الحاضنةِ البريطانيةِ بما يأتي:
- على المستوى السياسي: قامَ الاستعمارُ البريطاني بالمساهمةِ الفاعلةِ في إنشاءِ هذا الكيانِ سياسياً من خلالِ وعدِهِ المعروفِ بـ “وعدِ بلفور”، وتقديمِ كلِّ ما يسهمُ في تدعيمِ فكرةِ إنشاءِ هذا الكيانِ ثقافياً وأخلاقياً ودينياً، على اعتبارِ أن اليهودَ في العالمِ أجمعَ ارتكنوا إلى هذا الوعدِ وتمركزوا حولَ فكرتِهِ؛ لجعلِهِ الخانةَ السياسيةَ التي توفرُ الغطاءَ الشرعي لهذا الكيانِ.
- على المستوى العسكري: ساعدَ الاستعمارُ البريطاني في جَعْلِ أرضِ فلسطينَ أرضاً صالحةً لنموِّ هذا الكيانِ عسكرياً، من خلالِ تزويدِ ميليشياتِهِ بالمواردِ العسكريةِ والخبراتِ والتدريبِ، بل إنه تركَ له بعدَ الانسحابِ ما يجعلُهُ يزدادُ قوةً وعنفاً تجاهَ السكانِ المحليين الأصليين لهذه الأرضِ التي أهداها لليهودِ وميليشياتِهم.
- على المستوى الاقتصادي: أسهمَ الاستعمارُ بتوفيرِ ما تحتاجُهُ الجماعاتُ اليهوديةُ والميليشياتُ المسلحةُ من خلالِ توفيرِ بوابةٍ اقتصاديةٍ تُعدُّ من الممراتِ المهمةِ في دعمِ الكيانِ الناشئِ، وهي “ميناءُ حيفا” الذي أصبحَ من أهمِّ النوافذِ البحريةِ لهذا الكيانِ.
- على المستوى البشري: أسهمَ الاستعمارُ البريطاني في تأمينِ الهجرةِ إلى فلسطينَ من خلالِ فسحِ المجالِ لليهودِ بالهجرةِ اللازمةِ وبالأعدادِ المفتوحةِ، وعدِّ فلسطينَ وطنَهم الأمَّ بعد أن كانوا مشتتين في بقاعِ الأرضِ.
- على المستوى الإداري: أسهمَ الاستعمارُ البريطاني في بناءِ وتشكيلِ العقليةِ اليهوديةِ إدارياً في بناءِ فكرةِ الدولةِ على أسسٍ تنظيميةٍ استقاها من البريطانيين أنفسِهم، الذين مدّوه بالخبراتِ والتدريباتِ الكافيةِ؛ ليكونَ اليهوديُّ قادراً على إدارةِ مناطقِهِ -التي أخضعَها بالقوةِ- إدارياً وتنظيمياً في مواجهةِ التحدياتِ التي تهددُ وجودَهُ.
ثانياً: الحاضنةُ الفرنسيةُ
إن الدورَ الفرنسيَّ أعقبَ الدورَ البريطاني، وكانتِ الحاضنةُ الفرنسيةُ داعمةً ومكملةً ومتبادلةً في الظهورِ مع الدورِ البريطاني الذي بدأَ يخفتُ قليلاً، إذ “أتتْ فرنسا، التي تلاقتْ مصلحتُها في خمسينياتِ وستينياتِ القرنِ الماضي مع مصلحةِ إسرائيلَ، على خلفيةِ عدائِهما المشتركِ للرئيسِ جمال عبد الناصر، الذي اتهمتْهُ باريسُ بدعمِ الثورةِ الجزائريةِ وأنظمةِ التحررِ الوطني في أفريقيا”(3)؛ مما دعا الاستعمارَ الفرنسي في هذه المنطقةِ إلى دعمِ الكيانِ الجديدِ الذي يُعدُّ جزءاً مهماً من أطرِ السيطرةِ والتمييزِ الجديدةِ التي يمارسُها الاستعمارُ بشقّيهِ البريطاني والفرنسي.
تميزَ هذا الدعمُ بوصفِهِ مجالاً مكملاً للدعمِ البريطاني، وللعملِ مع هذا الكيانِ لتحقيقِ أهدافٍ أبعدَ مما هو ظاهرٌ للعيانِ في أرضِ فلسطينَ، بل يمتدُ إلى خارجِها أيضاً، ومن أمثلةِ ذلك: “قدّمتْ باريسُ إلى تل أبيب عشيةَ العدوانِ الثلاثي على مصرَ (72 طائرةَ ميستير-4 النفاثةَ، و200 دبابةٍ من طرازِ AMX-13، و20 ناقلةَ دباباتٍ، و30 شاحنةً عسكريةً، ومدافعَ 155 ملم). ونظراً لضخامةِ تلك الصفقةِ سُمّيتْ (الفيضان)، وكان السلاحَ الرئيسَ الذي استخدمتْهُ القواتُ الإسرائيليةُ في حربِ 1967″(4).
وكلُّ هذه الأسلحةِ التي سلّمتْها فرنسا للكيانِ كانت فيها مصلحةٌ مشتركةٌ، وهذا يدللُ على حقيقةِ الأهدافِ الاستعماريةِ؛ إذ يُستخدمُ هذا الكيانُ لضربِ وحدةِ المنطقةِ العربيةِ بزرعِهِ في وسطِها من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى يُستخدمُ بوصفِهِ يداً مساعدةً لضربِ بقيةِ المناطقِ وشعوبِها التي تعارضُ الوجودَ الاستعماري، كما حصلَ في حربِ 1967. وهذه الحاضنةُ عمِلتْ بشكلٍ علني على تأييدِ هذا الكيانِ من خلالِ تكريمِ قادتِهِ ومؤسسِيهِ، وعلى هذا الأساسِ قامَ الجنرالُ (شارل ديغول) عامَ 1961 بتكريمِ “بن غوريون في قصرِ الإليزيه بقولِهِ: (نخبُ إسرائيلَ صديقتِنا وحليفتِنا)… لم يقتصرِ الدعمُ الفرنسيُّ على السلاحِ التقليدي، فمنذ العامِ 1957، بدأَ العملُ بمشروعِ (لافوزيه) في مفاعلِ (ديمونا) لمساعدةِ إسرائيلَ على امتلاكِ القدرةِ النوويةِ، التي أمّنتْ لها شبكةَ ردعٍ غيرَ تقليديةٍ تجاهَ محيطِها العربي والإسلامي”(5)، مما جعلَ فرنسا تمنحُ هذا الكيانِ تفوقاً على كلِّ دولِ المنطقةِ.
نستنتجُ مما تقدمَ أن الحاضنةَ الفرنسيةَ ركزتْ على المستوياتِ التاليةِ:
- المستوى السياسي: قدّمَ الاستعمارُ الفرنسيُّ أشكالَ الدعمِ والاعترافِ بالكيانِ، وجَعْلِهِ حليفاً فوقَ العادةِ لفرنسا صاحبةِ المقعدِ الدائمِ في الأممِ المتحدةِ.
- المستوى الاقتصادي: دَعَمَ البناءَ الداخلي من خلالِ الصناعاتِ المختلفةِ، ومنها الصناعاتِ العسكريةِ المتقدمةِ.
- المستوى العسكري: توفيرُ الأسلحةِ التقليديةِ (طيران، دبابات)، والأسلحةِ غيرِ التقليديةِ عبرَ المفاعلِ النووي.
- مستوى المصالح المشتركة: استخدامُ الكيانِ كأداةٍ لضربِ الأهدافِ المعاديةِ للمصالحِ الاستعماريةِ وجَعْلِهِ شريكاً كاملاً في حروبِ المنطقةِ.
ثالثاً: الحاضنةُ الأمريكيةُ
لم يكن للدورين البريطاني والفرنسي كفايةٌ في فسحِ المجالِ لقيامِ ونهضةِ هذا الكيانِ في سنواتِهِ المقبلةِ، بل كان للدورِ الأمريكي كلمتُهُ الفصلُ في انطلاقتِهِ. إن هذه البدايةَ للدورِ الأمريكي كانت قريبةً جداً من الدعمِ المباشرِ الذي قدّمتْهُ بريطانيا وفرنسا، إذ أبدتِ الولاياتُ المتحدةُ “حماستَها الكليةَ للمشروعِ الصهيوني في آذار 1919، قالَ الرئيسُ الأمريكيُّ (وودرو ويلسون): لقد قررتِ الأممُ المتحدةُ المتحالفةُ، إلى جانبِ التأييدِ القوي لحكومتِنا وشعبِنا، وَضْعَ الأساسِ للدولةِ اليهوديةِ في فلسطينَ. وتجسدَ الأمرُ عملياً عامَ 1924 في الاتفاقيةِ الأنجلو-أمريكيةِ، التي تشيرُ بصراحةٍ إلى حقِّ اليهودِ في إقامةِ وطنٍ قومي فيها” (6). وهذه المقدماتُ كانت ضمنَ المشروعِ الكلي للكيانِ الغربي لبناءِ دويلةٍ في المنطقةِ لأسبابٍ حضاريةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ عسكريةٍ، مما دعا الولاياتِ المتحدةَ للانخراطِ في المشروعِ ثم قيادتِهِ لاحقاً، وهذا ما يؤكدُهُ انتقالُ مركزِ القوةِ في النظامِ العالمي الجديدِ إلى أمريكا. وقد دعا الرئيسُ (هاري ترومان) إلى “السماحِ بهجرةِ مئةِ ألفِ يهوديٍّ إلى فلسطينَ، والإقلاعِ عن سياسةِ (الكتابِ الأبيضِ) التي حدّتْ من الهجرةِ نسبياً. فردَّ (بن غوريون) شاكراً: لم أعدْ أشكُّ أن مركزَ الجاذبيةِ لعملِنا السياسي في الميدانِ الدولي انتقلَ من بريطانيا إلى الولاياتِ المتحدةِ التي تتزعمُ العالمَ”(7).
تطورتْ هذه العلاقةُ إلى مرحلةِ الدعمِ العسكري والاستراتيجي، وأصبحتِ المنطقةُ من أولوياتِ الولاياتِ المتحدةِ في تنافسِها مع الاتحادِ السوفيتي. هذا الصراعُ دعا واشنطن لدعمِ الكيانِ الصهيوني ليكونَ منطقةَ نفوذِها الأهمَّ، وتحولَ الدعمُ إلى رعايةٍ شاملةٍ كما وصفَها (شيمون بيريز)، إذ يرى أن الرعايةَ بدأتْ بشكلٍ مباشرٍ “مع تسلُّمِ (جون كينيدي) ونائبِهِ (ليندون جونسون) مقاليدَ السلطةِ… وتمَّ تزويدُنا بالطائراتِ والدباباتِ أواسطَ الستينياتِ. وعشيةَ حربِ 1967، حصلتْ تلُّ أبيب على طائراتِ (سكايهوك) و250 دبابةَ باتون–م 48. وفي أعقابِها أصبحتِ الولاياتُ المتحدةُ الراعيَ الأولَ للكيانِ عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً وعلمياً”(8).
نستنتجُ مما تقدمَ أن الحاضنةَ الأمريكيةَ تميزتْ بالمستوياتِ التاليةِ:
- التفوق على الدور البريطاني والفرنسي: حيث جعلتِ الكيانَ من أولوياتِها في صراعِ القطبِ الواحدِ وصورةً لقيمِها الحضاريةِ في المنطقةِ.
- المستوى السياسي: سَنُّ قوانينَ (مثل معاداة السامية) لجعلِ الكيانِ غيرَ قابلٍ للنقدِ دولياً وفَرْضُ عقوباتٍ على معارضيهِ.
- المستوى الاقتصادي: تقديمُ دعمٍ لا محدودٍ جعلَ الاقتصادَ الصهيوني مهيمناً إقليمياً في قطاعاتٍ صناعيةٍ وتقنيةٍ عديدةٍ.
- المستوى العسكري: ضمانُ “التفوقِ النوعي” الدائمِ بأحدثِ الأسلحةِ، والتدخلُ المباشرُ لحمايةِ الكيانِ من الهزيمةِ كما يظهرُ في الحروبِ المعاصرةِ.
- المستوى العلمي والتقني: توفيرُ الدعمِ التقني في الحروبِ الإلكترونيةِ والصناعاتِ الحربيةِ، مما جعلَ التفوقَ الصهيوني تفوقاً “مكتسباً” بفضلِ التجهيزاتِ الأمريكيةِ.
الهوامش:
- محمد خواجه: استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2014، ص26.
- يُنظر: المصدر نفسه، ص25، ص27.
- المصدر نفسه، ص27.
- المصدر نفسه، ص27.
- المصدر نفسه، ص27.
- المصدر نفسه, ص28.
- المصدر نفسه، ص28.
- المصدر نفسه، ص28.