نبذة عن الكتاب

تدخل الهوية بصورة عامة في الدراسات الثقافية بوصفها من تحدد طبيعة النظرة الى الأطر الاشتغالية في مجالات الآداب والفنون والثقافة ومدياتها الجمالية على وفق تمظهرها المعرفي ، إذ تعد الهوية من الركائز الرئيسة لدراسة الفنان وتفاعله مع محيطه من أفراد وجماعات متشاركة معه في مجموعة من الاشتراطات الخاصة بالرؤية الجمالية على مستوى النتاجات الفنية ، والهوية على المستويات الجمالي هي من تعطي مديات التقارب ، أو التباعد لهذا الشخص مع محيطه ووجوده وتفاعلاته وإمتداداته ، ومن هنا لابد أولاً أن نحدد مفهوم الهوية في ضوء الرؤية الفكرية والثقافية ، ونحددها بعد ذلك على وفق الرؤية الجمالية ، وأن نقف على مصطلحين مهمين: الأول متوافر في الادبيات والمصادر، لأنه مصطلح راكز في هذه المصادر وهو (الهوية)، والثاني الذي نحاول أن نؤسس له من خلال المصطلح الأول، وهو (الهوية الجمالية التي أصبحت ملازمة اليوم للعديد من الاشتغالات الثقافية للأفراد والجماعات كون أن الهوية الجمالية قد أصبح لها تأثيراً مباشراً على سلوكياتنا وعلاقاتنا مع الآخر .

إنَّ الخوض بمصطلح الهوية يجعلنا أمام الكثير من التعريفات، التي خاضت فيها واعطتها محدداتها – التي قد تتفق أو تختلف مع ما نريد أن نصل اليه في هذا الكتاب – والمجالات التي من الممكن أن تعمل فيها هذه المحددات. وسنركز على عدد محدد من التعريفات التي تخص هذا الكتاب وليس جميعها ، وهي كالآتي:

أولاً – عرّف (الفارابي) الهوية بأنها : ” الشّيء وعينيته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد وقولنا: إنه هو إشارة الى هويته، وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشراك ” (1). والفارابي يجعل من الهوية تدل على الشيء ذاته، والشيء بدوره يحتوي على :

وجوده.

خصوصيته .

وتشخصه.

ظهوره العياني.

صورته الذهنية أو ماهيته في داخل وعي الناضر إليه.

إنَّ مفهوم الهوية عند (الفارابي)، تدل على الشيء ذاته، دون اضافة أو حذف، أو إنتقاص من ذلك الشيء، استناداً للهوية التي تحدده وتشخصه وتظهره وتفرده إمام أعين الناظرين.

ثانياً والهوية هي وحدة الشخص (أو الجماعة)، وما يجعله هو نفسه، أو (هو هو)؛ أي ما يجعله مطابقاً لذاته، وما يمنحه إستمرارية في الزمن، فهي ما يخص الشخص، أو الجماعة، وما يميزها أيضاً (…) ، يميز وليام جيمس (1842 – 1910م)، بين ثلاثة مقومات للهوية : البعد الفيزيقي (الجسد)، البعد الفكري (الكوجيطو)، والبعد الإجتماعي (الوضع) إن هذه الأبعاد الثلاثة، هي من تعطي الهوية محدداتها كونها متطابقة مع ذات الشيء، وأن التغييرات التي تحدث في هذه المقومات الثلاثة ناتجة عن تغيرات في ذات الشيء، في واحدة من هذه الأبعاد الثلاثة، أو في جميعها، في كل متكامل يعطي للشيء صورته المتطابقة ذاته سواء أكان هذا التغيير يحدث في الهوية لشخص واحد، أم الجماعة ، مما ينتج فهماً متطابقاً بين الشيء والهوية، إذ ” يقوم الفهم عموماً على إرجاع (مطابقة معرفة جديدة إلى ما نعرفه من قبل، ومن هنا تُعد الهوية شكل كل فهم ، وإنّها على وفق هذه الأبعاد الثلاثة، تستقبل الإضافات التي ينتجها الفرد، أو الجماعة لتضاف إلى صورة الهوية متمظهر دائماً على وفق التغيرات التي تحدث أو ما يلاقيها من ظروف جديدة، تدخل بها الهوية حيزاً معرفياً آخر يضاف إلى صورتها، التي ظهرت بها قبل أن تحصل هذه التغيرات. والهوية هي المستقبل الأوضح لهذه التغيرات المتمظهرة على ظاهر الفرد أو الجماعة ، فالهوية هي قاعدة البيانات للشيء في ضوء المضاف إليها من معلومات جديدة، وهي ” الشفرة التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعرف نفسه وعلاقته بالجماعة الإجتماعية، التي ينتمي إليها، وعن طريقها يدلل على انتمائه لتلك الجماعة .

ثالثاً: الهوية وهي ” شفرة تجمع عناصرها العرقية على مدار تاريخ الجماعة (التاريخ)، من خلال تراثها الإبداعي (الثقافة)، وطابع حياتها (الواقع الإجتماعي) ، وهذه الدلالات الثلاثة التي تتجمع في الهوية، تعطي صورتها ومدى تفاعلاتها ووجودها في إطارها الجمعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *