
أ.د. محمد كريم الساعدي
مسرحيةُ الجزيرة الخرساء؛ وهي من تأليفِ وإخراجِ (أبو القاسم الزهيري)، وتمثيلِ (علي العذاري/ فلاح حسن/ نور آل عطية/ أمير حيدر)، وتقديمِ رابطةِ عيونِ الفنِّ الثقافيةِ؛ هذه المسرحيةُ التي افتُتحتْ بها عروضُ مهرجانِ المسرحِ الشبابي الذي أقامته الرابطةُ ذاتُها بدعمٍ من نقابةِ الفنانين في العراقِ وكليةِ الفنونِ الجميلةِ بجامعةِ بابل، وقُدّمتِ العروضُ على خشبةِ قسمِ التربيةِ الفنيةِ في كليةِ التربيةِ المختلطةِ بجامعةِ الكوفةِ، وباشتراكِ أكثرَ من (12) عرضاً مسرحياً لفرقٍ مسرحيةٍ من عددٍ من المحافظاتِ العراقيةِ.
تُعدُّ هذه المسرحيةُ تمثيلاً لمجتمعٍ تعوّدَ السكوتَ في زمنِ التجاوزِ على الحقوقِ والأرضِ والإنسانِ وكرامتِهِ، فتحولَ سكانُ الوطنِ إلى صامتين ساكتين عن إهدارِ الكرامةِ، وهذا ما حملَهُ النصُ في خطابِهِ الموجهِ -من خلالِ العرضِ المسرحي- إلى الجمهورِ؛ ليذكّرَ باللحظةِ المعاصرةِ التي يمرُّ بها الإنسانُ في هذه الأرضِ.
اشتغلَ الفضاءُ المشهدي في العرضِ ومفرداتُهُ الديكوريةُ على تشكيلِ اللعبةِ المسرحيةِ من انطلاقةِ العرضِ في مسرحيةِ “الجزيرة الخرساء” بصوتِ ضرباتِ الطبولِ والألوانِ الحمراءِ والزرقاءِ المتداخلةِ التي غطتْ فضاءَ المسرحِ، وصولاً إلى اشتغالِ ورقاتِ الفحصِ الطبي التي تحولتْ باستخداماتٍ متعددةٍ في أيدي الشخصياتِ الأربعِ الجالسةِ في حركةٍ أفقيةٍ ممتدةٍ من يمينِ المسرحِ إلى يسارِهِ، بالجلوسِ على أربعةٍ من الصناديقِ التي تتحولُ في اللعبةِ المسرحيةِ إلى استخداماتٍ عدةٍ، منها مقاعدُ جلوسٍ، وأخرى منصاتُ وقوفٍ للخطاباتِ، وأخرى تدلُّ على الطبولِ وغيرها من الاستخداماتِ، مع خلفيةٍ زخرفيةٍ تبيّنُ مستطيلاتٍ متداخلةً من المستطيلِ الأكبرِ الذي يحتوي بداخلِهِ مجموعةً من المستطيلاتِ المتداخلةِ لتمثّلَ بُعداً بؤرياً في هذه الخلفيةِ، والتي تعطي مع الإضاءةِ بُعداً جمالياً أو بُعداً تأويلياً ذا دلالاتٍ معينةٍ؛ كأنها توابيتُ، أو إطاراتُ صورٍ للأحداثِ، أو فقط جانبٌ جمالي للعرضِ لا أكثرَ قد يؤولُها المتلقي في أثناءِ التقاءِ حركةٍ ما في العرضِ؛ لأن الشخصياتِ لا تؤدي أيَّ فعلٍ مباشرٍ مع هذه الخلفيةِ، ولعبُها أكثرُ مع الصناديقِ الصغيرةِ الأربعةِ فقط، وهذا أهمُّ ما حفلَ به فضاءُ العرضِ من ديكورٍ يشكلُ مشهديةَ العرضِ المسرحيةَ.
وبالعودةِ إلى صوتِ الطبولِ التي ترافقُها أصواتُ ضربِ الأقدامِ على الأرضِ من قِبلِ الممثلين مع تصاعدِ الإيقاعِ حتى يصلَ المشهدُ إلى الذروةِ الصوتيةِ، تقطعُها لحظةُ صمتٍ يدخلُ بعدَها صوتُ المذياعِ الذي يشغلُهُ الممثلُ في الطرفِ الأيسرِ من المجموعةِ، وبصوتِ مطربٍ عراقي قديمٍ وبكلماتٍ تدللُ على الحزنِ من خلالِ أغنيةِ (يكليبي سل وذوب سل وتفطر)؛ دلالةً على الحزنِ في داخلِ المجتمعِ (الجزيرة الخرساء)، وبعدَها تداخلتِ الممثلةُ قاطعةً هذه الأغنيةَ ذاتَ الطابعِ التراثي والإيقاعِ البطيءِ، بإيقاعٍ غربي سريعٍ مع رقصةٍ تحملُ معها الراديو الذي تلقيهِ على الأرضِ ليتكسرَ وتُنهي أغنيةَ النوحِ والبكاءِ، وتُعطي انطباعاً بأن هذا المذياعَ يعني الخضوعَ للحزنِ الذي يسيطرُ على أهلِ هذه الجزيرةِ الخرساءِ؛ فهل هذا الكسرُ هو دلالةٌ للخلاصِ من الماضي؟ أم من الحزنِ والبكاءِ؟ أم من كلِّ ما هو معرقلٌ لحركةِ التطورِ والتجديدِ؟ وهذا الكسرُ هو إشارةُ الاحتجاجِ الأولى التي تظهرُ من المجموعةِ ضد ما يواجهون من صمتٍ وخضوعٍ وخنوعٍ في هذه الجزيرةِ، التي يتحولُ المشهدُ في العرضِ إلى الدخولِ إليها بعدَ أن يتشكلَ العرضُ ويتحولَ المشهدُ إلى مشهدِ الحافلةِ الداخلةِ إلى هذا الصمتِ، وبكلمةِ (طبينه) التي يكررُها كلُّ ممثلٍ بطبقةٍ صوتيةٍ تدللُ على الدهشةِ من القادمِ.
اشتغلَ المخرجُ على رباعيةِ الجسدِ وتوظيفِ هذه الأجسادِ الأربعةِ في بناءِ تشكيلاتٍ الهدفُ منها هو إظهارُ الاحتجاجِ المتكررِ والرفضِ ضد أوضاعِ السكوتِ على ما يتعرضُ له أهلُ الجزيرةِ، ومن ضمنِهم الشخصياتُ الأربعُ؛ إذ يبتدئُ المخرجُ تشكيلاتِهِ بخطوطٍ أفقيةٍ للأجسادِ كسدٍّ منيعٍ بين لحظتين: الأولى الخضوعُ، والثانيةُ المقاومةُ، مروراً بلحظاتِ الاقتحامِ من خلالِ ضرباتِ الأقدامِ، وصولاً إلى توزيعِ الأجسادِ في فضاءِ العرضِ مع حركاتٍ تدللُ على التعذيبِ بسببِ المقاومةِ التي تفرضُها الشخصياتُ ضد سلطةِ الجزيرةِ، وصولاً إلى وضعِ الصناديقِ على الرؤوسِ بطريقةِ اعتقالٍ وغيرِ ذلك، وصولاً إلى التشكيلِ الجسدي المتدرجِ من الأسفلِ إلى الأعلى، وتنوعِ الأهدافِ حسبَ نوعِ الحواراتِ بين المبتهلِ إلى السماءِ والمتهكمِ من أوضاعِ الخضوعِ دونَ أيِّ موقفٍ محركٍ للأحداثِ في الجزيرةِ.
إن العرضَ أظهرَ تنوعَ الشخصياتِ المقدمةِ من الممثلين، فكلُّ ممثلٍ جسّدَ أكثرَ من شخصيةٍ، وقد تنوعتِ الشخصياتُ بناءً على تغيرِ الأهدافِ والمواقفِ، ومن هذه الشخصياتِ التي بلغَ عددُها أكثرَ من عشرِ شخصياتٍ مؤداةٍ: شخصيةُ الثائرِ، وشخصيةُ المتهكمِ، وشخصيةُ المعذَّبِ، وشخصيةُ المحكومِ عليه بالإعدامِ، وشخصيةُ الخاضعِ، وشخصيةُ المؤمنِ المبتهلِ، وشخصيةُ المناضلِ المعترضِ، وشخصيةُ الصامتِ الخائفِ وغيرها، وكلُّ هذه الشخصياتِ صاغتْ حبكةَ العرضِ المسرحي.
إن دلالةَ العرضِ المسرحي ومحاكاتِهِ أظهرتِ الاحتجاجَ في بعضِ أوقاتِ العرضِ بصورةٍ مباشرةٍ وأخرى غيرِ مباشرةٍ؛ فالأولى كانت مباشرةً في عرضِ أحداثِ تشرينَ في العراقِ من خلالِ ذكرِ بعضِ الدلالاتِ التي تقدّمُ صورةَ هذه الأحداثِ والمطالبةِ بوطنٍ من خلالِ خروجِ التظاهراتِ في هذا الوقتِ واستشهادِ بعضٍ من أبناءِ هذا الوطنِ على أيدي حراسِ النظامِ أو من ينتمي إلى السلطةِ، وفي الصورةِ الثانيةِ غيرِ المباشرةِ كان نقدُ ظاهرةِ السكوتِ من قِبلِ أبناءِ هذه الجزيرةِ على الظلمِ الذي تعرضوا له دونَ أن يحركوا ساكناً أو يجابهوا الظلمَ. لذلك ظهرَ الاحتجاجُ في هذا العرضِ في أكثرَ من مستوى: • الاحتجاجُ ضد السلطةِ في الجزيرةِ الخرساءِ وما أوصلتْ إليه الحياةُ في هذه الجزيرةِ. • الاحتجاجُ ضد أبناءِ الجزيرةِ وصمتِهم على كلِّ أنواعِ الظلمِ وما يتعرضون له في هذه الجزيرةِ. • الاحتجاجُ على طرقِ الموتِ وفقدانِ الأحبةِ الذي ما زالَ مستمراً في هذه الجزيرةِ. • الاحتجاجُ على ضياعِ الحقوقِ، والتي في أوّلِها الوطنُ، ومن ثمَّ الحقوقُ الأخرى التي فقدوها في هذه الجزيرةِ. • الاحتجاجُ على نسيانِ من ضحى لأجلِ الأرضِ وقد خرجَ من أجلِ حقوقِ أهلِ الجزيرةِ الخرساءِ.
العرضُ المسرحي (الجزيرةُ الخرساءُ) هو لحظةُ احتجاجٍ ضد السكوتِ، وإثارةٌ للتساؤلاتِ عن الوضعِ القائمِ في هذه الجزيرةِ، والذي استمرَّ نصفَ ساعةٍ حَفلتْ أيضاً ببعضِ الهفواتِ، ومنها وقوعُ العرضِ في التكرارِ في بعضِ الأحداثِ، والأخطاءُ اللغويةُ لدى بعضِ الممثلين، وكذلك بعضُ الأخطاءِ في البناءِ المشهدي في العرضِ؛ أي أن لحظاتِ الهدمِ والبناءِ في بعضِ المشاهدِ كانت غيرَ منضبطةٍ، وخاصةً في الموسيقى التي تُقطعُ في بعضِ الأحيانِ بشكلٍ مفاجئٍ، أو في حركاتِ الممثلين حيث يكونُ هناك بعضُ الإرباكِ في بناءِ المشهدِ الجديدِ. لكن عموماً كان عملُ الشبابِ في العرضِ جيداً قياساً بالإمكانياتِ المتوفرةِ، وكونُ بعضِهم لم يرتقِ خشبةَ المسرحِ في السابقِ، وكذلك لأن بعضَ التمارينِ الخاصةِ بالعرضِ لم تكن كافيةً من أجلِ إنضاجِ المسرحيةِ بشكلٍ متكاملٍ.